اقتصاد الرعاية.. المجلس الاقتصادي والاجتماعي يطالب بحكامة وطنية وتشريع موحد

خديجة قدوري

شدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة اعتماد بلادنا استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية منظمة ومندمجة وطموحة، كفيلة بتحويل الرعاية إلى رافعة حقيقية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح المجلس، من خلال الرأي الذي أعده  تحت عنوان "اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي"، أنه لا بد من تجاوز المقاربة التي تختزل الرعاية في وظيفة أسرية أو ظرفية محدودة، وتجزئها على سياسات قطاعية وفئوية حسب حاجيات الأشخاص المستهدفين، وإنما يتعين الاعتراف بهذا المجال باعتباره رهانا عرضانيا واستراتيجيا، بهدف تعزيز التماسك الاجتماعي والقدرة على الصمود في وجه المخاطر، والنهوض بالمساواة بين النساء والرجال، ودعم الفئات الهشة والحد من التفاوتات، وجعل اقتصاد الرعاية محركاً للإدماج وخلق فرص الشغل وتحقيق التنمية المستدامة.

وأفاد أن الغاية من اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية لا تتمثل في التخلي عن التضامن الأسري الذي يظل ركيزة أساسية من ركائز التماسك الاجتماعي والثقافي ببلادنا، بل دعمه وتعزيزه من خلال تخفيف الأعباء الملقاة على الأسر، ولاسيما النساء، وتقاسم المسؤوليات بين الأسر والدولة والجماعات الترابية والمقاولات والمجتمع المدني بشكل أكثر إنصافا، كما تتغيا الاستراتيجية استكشاف وتطوير نسيج اقتصادي واجتماعي ناشئ، قادر على توفير فرص شغل لفائدة النساء والشباب والأشخاص ذوي المؤهلات المحدودة، والذين يشكلون الفئات الأكثر عرضة للهشاشة وعدم النشاط في بلادنا .

وكشف المصدر ذاته أنه لبلوغ هذه الأهداف تتمحور الاستراتيجية الوطنية حول أربعة محاور متمثلة في جعل أعمال الرعاية رهانا وطنيا ورصد الإمكانات والوسائل اللازمة لتنزيله على أرض الواقع، وتثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين باعتبارهم ركائز أساسية للرفاه الاجتماعي، وضمان توزيع منصف لأعمال الرعاية عبر آليات مندمجة وتضامنية، والاستثمار في تطوير اقتصاد الرعاية وملاءمته مع قيم المجتمع.

حكامة وطنية وقانون موحد لاقتصاد الرعاية

ودعا المجلس إلى إحداث آلية وطنية للحكامة مخصصة للرعاية، تضم الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، وتتولى قيادة وتنسيق وتتبع وتقييم الاستراتيجية الوطنية لاقتصاد الرعاية مع ضمان انسجام السياسات العمومية، وتمفصل التدخلات القطاعية، وترشيد الموارد المعبأة.

وأوصى بإرساء إطار قانوني موحد خاص باقتصاد الرعاية، يؤطر مختلف المقتضيات القانونية القائمة المرتبطة بأعمال الرعاية بالمغرب. ويُشكل هذا الإطار القاعدة التي يقوم عليها اقتصاد مهني ودامج للرعاية، بما يعزز التقائية السياسات العمومية، مع تجويد تخصيص الموارد، وتوجيه التدخلات نحو الحاجيات الاجتماعية ذات الأولوية.

وحث من جهة أخرى على ضرورة إدماج اقتصاد الرعاية ضمن الاستراتيجيات القطاعية، ولا سيما السياسات المتعلقة بالحماية الاجتماعية، والسياسات المتعلقة بالفئات الهشة (الأطفال، الأشخاص في وضعية إعاقة، الأشخاص المسنون) والمساواة بين النساء والرجال والتشغيل والصحة والتعليم والتعمير، والسكن، باعتبارها رافعة عرضانية واستراتيجية لتحقيق التنمية البشرية الدامجة والمستدامة.

 ودعا إلى ضمان التنزيل الترابي للاستراتيجية الوطنية للرعاية، عبر تحويل الأهداف الوطنية إلى مخططات عمل تراعي الخصوصيات الجهوية وحاجيات الساكنة، بما يكفل الولوج المنصف إلى الخدمات ويعزز القرب والنجاعة، ويعبئ الفاعلين المحليين لتعزيز أثرها على التنمية البشرية والتماسك الاجتماعي.

وأكد المصدر ذاته على ضرورة الإشراك الفعلي للقطاع الخاص والمجتمع المدني في بلورة وتنزيل الاستراتيجية الوطنية لاقتصاد الرعاية، بما يضمن البناء المشترك والتنزيل الفعال على مختلف المستويات الترابية، وتعزيز المعرفة بالقطاع وتثمينه، وترسيخ الوعي بأهمية اقتصاد الرعاية لدى مقدمي الرعاية والأسر والمستفيدين. بما يكفل نجاعة الاستراتيجية وتملكها واستدامتها.

وطالب بإرساء نظام وطني لرصد وتتبع أعمال الرعاية من خلال الجمع المنتظم لمعطيات مفصلة حسب الجنس والفئة العمرية وصنف الرعاية، وإعداد حسابات فرعية لقياس أدائها الاقتصادي، سواء أكانت مأجورة أو غير مأجورة، وتعزيز التخطيط الاستراتيجي ونجاعة السياسات العمومية في هذا المجال.

مهن الرعاية.. عماد الرفاه الاجتماعي

أفاد المجلس أن الاعتراف بمجموع مهن الرعاية وتنظيمها وإضفاء الطابع المهني عليها، سواء أكانت مأجورة أو غير مأجورة، من خلال إعداد مصنف وطني موحد، معزز بخريطة ترابية للمهن، وإرساء إطار وطني للتكوين والتأهيل والتصديق على الخبرات المكتسبة، من شأنه أن يجعل أعمال الرعاية ركيزة استراتيجية في تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية بالمغرب.

وحث على ضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة لكافة مهنيي الرعاية، عبر تعزيز الآليات المعمول بها حاليا وإدماج كافة العاملات والعاملين في القطاع المنظم، والاعتراف بمهن المساعدين العائليين وتقديم الدعم لهم عن طريق منحهم إجازات خاصة وتمكينهم من الاستفادة من برامج التكوين، ومنحهم تعويضات مادية ملائمة، وإدماجهم ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

ودعا إلى إرساء نظام وطني لتنظيم خدمات الوساطة في مجال الرعاية بما يكفل جودة الخدمات وشفافيتها وسلامتها، وضمان حقوق كل من الأسر والعاملات والعاملين.

عدالة الرعاية بآليات تضامنية

في هذا الصدد، أوصى المجلس بالرفع من وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية الاجتماعية الأساسية، على غرار دور الحضانة ورعاية الأطفال، والمؤسسات الطبية الاجتماعية، وخدمات الرعاية المنزلية، للتخفيف من أعباء الرعاية غير المأجورة، ولا سيما تلك التي تتحملها النساء.

وطالب بتوسيع معايير الاستفادة من البرامج الاجتماعية في إطار منظومة السجل الاجتماعي الموحد، عبر الإدماج الممنهج لحاجيات الرعاية داخل الأسر (الأمراض المزمنة، أشخاص في وضعية الإعاقة، رعاية الأطفال أو المسنين) بما يتيح استهداف المستفيدين بشكل أدق، وملاءمة الدعم مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسر، وتعزيز أثر الحماية الاجتماعية.

وحث على ضرورة إرساء آليات قانونية وخدمات ملائمة (إجازات اجتماعية، أوقات عمل تتسم بالمرونة، عمل عن بعد) تمكن من التوفيق بين الحياة المهنية والحياة الأسرية، وتخفيف عبء الرعاية، ودعم المساواة بين النساء والرجال.

وأكد على وضع إطار جبائي تحفيزي لاقتصاد الرعاية، يوفر امتيازات ضريبية لفائدة الأسر والمهنيين، ويشمل إعفاء خدمات الرعاية المنزلية وخدمات دعم الاستقلالية لفائدة الفئات الهشة وذوي الاحتياجات الخاصة من الضريبة على القيمة المضافة. وتخصيص دعم مستدام للمؤسسات والمبادرات العاملة في مجال رعاية القرب وخدمات الاستقبال المجتمعي، وكذا المشاريع المبتكرة وسهلة الولوج بالنسبة للمرتفقين وذات الأثر الاجتماعي القوي.

استثمار بقيم مجتمعية

دعا المجلس إلى تطوير حلول للتكفل بالآخرين تكون مبتكرة وملائمة ثقافيا وسهلة الولوج على غرار الرعاية المنزلية وآليات الاستقبال المشترك بين الأسر أو البنيات المجتمعية)، ونماذج الرعاية القائمة على التفاعل بين الأجيال ( السكن التضامني والمراكز المجتمعية المختلطة)، أو مراكز رعاية القرب (بنيات صغيرة الحجم. رعاية متنقلة مراكز الرعاية النهارية ...) بغية الاستجابة للحاجيات المتزايدة للرعاية مع التدبير الأمثل للموارد المتوفرة.

وحث على ضرورة تأطير ودعم آليات الرعاية التضامنية على غرار الأسر المستقبلة للأشخاص في وضعية هشاشة وذلك عبر إعداد دفتر تحملات وطني واضح وتعبئة مساعدات مادية ولوجستيكية تروم ضمان السلامة والجودة والإنصاف في الاستقبال.

وأوصى بإطلاق برامج بحث وابتكار مخصصة لاقتصاد الرعاية، من أجل تجريب مقاربات وتقييم وتنزيل حلول ملائمة للسياقات المحلية بشراكة مع الجامعات ومراكز البحث والجمعيات والمقاولات الناشئة العاملة في المجال الاجتماعي.

وشدد على ضرورة تطوير آليات تمويل مبتكرة لخدمات اقتصاد الرعاية على غرار إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص واعتماد سندات الأثر الاجتماعي أو التمويلات المرتكزة على النتائج، بغية دعم مشاريع الرعاية ذات الأثر الاجتماعي القوي.

ودعا إلى تشجيع الابتكار التكنولوجي في مجال خدمات الرعاية الاجتماعية اعتمادا على الحاجيات المحلية، من خلال ملاءمة الأدوات الرقمية (الرعاية الصحية عن بعد، منصات رقمية، أنظمة منزلية ذكية من أجل تيسير الولوج إلى الخدمات وضمان جودتها وفعاليتها.