أعلن الاتحاد العالمي لألعاب القوى رفض الطلب الذي تقدمت به تركيا لتغيير الجنسية الرياضية لـ11 رياضيا ورياضية من نخبة الأسماء العالمية، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط الرياضية الدولية، وأعادت النقاش حول حدود التجنيس الرياضي وعلاقته بمبادئ النزاهة وتكافؤ الفرص.
واعتبرت اللجنة القانونية التابعة للاتحاد أن هذه الطلبات تندرج ضمن خطة ممنهجة تستهدف استقطاب رياضيين بعقود مالية مغرية لتمثيل تركيا في الاستحقاقات المقبلة، وهو ما يتعارض مع القوانين المنظمة للمنافسات الدولية، خاصة تلك المرتبطة بحماية مبدأ تكافؤ الفرص ومنع تحويل الرياضة إلى سوق مفتوحة للانتقالات القائمة على الإغراءات المالية فقط.
وأكدت الهيئة الدولية أن مثل هذه الممارسات قد تفتح الباب أمام فوضى في تغيير الجنسيات، بما يفرغ المنافسة من بعدها القيمي المرتبط بالانتماء الرياضي والهوية الوطنية.
وبموجب هذا القرار، لن يكون الرياضيون المعنيون مؤهلين لتمثيل تركيا في المنافسات الرسمية القادمة، مع الإبقاء على إمكانية استمرارهم في تمثيل بلدانهم الأصلية، أو التقدم بطلبات فردية للانضمام إلى فريق اللاجئين التابع للاتحاد الدولي، وفق المساطر المعمول بها.
ويأتي هذا التطور في سياق سعي السلطات الرياضية التركية إلى تعزيز حضورها في ألعاب القوى، بعد نتائج وصفت بالمتواضعة خلال الألعاب الأولمبية الصيفية باريس 2024، حيث لم ترق الحصيلة إلى مستوى الطموحات، فمنذ دورة 1984 لم تنجح تركيا في إحراز أي ميدالية ذهبية في ألعاب القوى ضمن الألعاب الأولمبية الصيفية، مكتفية بثلاث ميداليات فضية وخمس برونزيات، وهو ما اعتبر مؤشرا واضحا على تراجع تنافسيتها في هذا التخصص.
وفي محاولة لتدارك هذا الوضع، وضعت تركيا قائمة أولية تضم عددا من أبرز نجوم ألعاب القوى العالميين، خاصة من كينيا وجامايكا ونيجيريا وروسيا، في توجه يعكس رغبة واضحة في بناء فريق قادر على المنافسة المباشرة على الميداليات في المحافل الكبرى.
ومن بين الأسماء التي تم تداولها في هذا الإطار، العداءة الكينية بريجيد كوسغي، حاملة الرقم القياسي العالمي السابق في سباق الماراطون، وصاحبة الميدالية الفضية في أولمبياد طوكيو 2020، إلى جانب مواطنها رونالد كويموي، المتوج بفضية سباق 5000 متر في أولمبياد باريس، إضافة إلى عدائين آخرين من المدرسة الكينية المعروفة بسيطرتها على سباقات المسافات الطويلة.
كما شملت القائمة أربعة رياضيين من جامايكا، من بينهم روجي ستونا، المتوج بذهبية رمي القرص في أولمبياد باريس، وواين بينوك، صاحب فضية الوثب الطويل، فضلاً عن راجيندرا كامبل وجايدون هيبرت، ما يعكس توجها شاملا لتعزيز مختلف التخصصات، سواء في السرعة أو مسابقات الميدان.
ولم تقتصر الخطة على هذه الدول، إذ ضمت أيضا العداءة النيجيرية فايفور أوفيلي، المعروفة بسرعاتها في سباقات العدو، ولاعبة السباعية الروسية صوفيا ياكوشينا، في مؤشر على رغبة تركيا في بناء فريق متكامل قادر على المنافسة في مختلف الاختصاصات.
غير أن هذا المشروع الطموح اصطدم بصرامة القوانين الدولية التي تنظم تغيير الجنسية الرياضية، والتي تفرض شروطا دقيقة، من بينها احترام فترات الانتظار، والحصول على موافقة الاتحادات الوطنية والدولية، إضافة إلى مراعاة البعد الأخلاقي المرتبط بعدم استغلال الرياضيين لأغراض تنافسية ظرفية.
ويعيد هذا القرار التأكيد على أن المؤسسات الرياضية الدولية تسعى إلى الحفاظ على توازن المنافسة، ومنع تحولها إلى سباق تسلح قائم على استقطاب الأبطال الجاهزين، بدل الاستثمار في التكوين القاعدي وتطوير المواهب المحلية.
وفي المقابل، يطرح هذا الملف تساؤلات عميقة حول مستقبل السياسات الرياضية في عدد من الدول، وحدود اللجوء إلى التجنيس كحل سريع لتحقيق الإنجازات، مقابل الرهان على التكوين طويل المدى، كما يفتح النقاش حول العدالة الرياضية، ومدى قدرة القوانين الحالية على ضبط التوازن بين حرية الرياضي في اختيار مساره، وضرورة حماية روح المنافسة.
وبين طموح تركيا في العودة إلى منصات التتويج الأولمبية، وتمسك الهيئات الدولية بضوابط النزاهة، يبدو أن ملف التجنيس الرياضي سيظل من أبرز القضايا الجدلية في المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب موعد الألعاب الأولمبية لوس أنجلوس 2028، التي قد تشكل محطة حاسمة لإعادة رسم ملامح التنافس في ألعاب القوى على المستوى العالمي.