سنعود مرة أخرى إلى العبارة الواردة في فيلم "fight club". Les choses que tu possèdes, finissent par te posséder..
سنعود أيضا إلى المقال الأول من هذه الثلاثية حينما تحدثنا فيه عن العالم قبل وبعد عام 1900.
حقا لقد انخدع الإنسان حينما آمن بأن العقل سيطعمهم من جوع وسيؤمنهم من خوف. وها هو قد تربص بهم.. وعَدهم.. رسم لهم طريقا معبدة مفروشة بورود الوهم، وحينما تحققت له الهيمنة رأى في نفسه أنه قوة لا تقف على حال إلا كي تتجاوزه بمنطق التراكم والتجاوز والصيرورة، لكنها للأسف الصيرورة التي تحافظ على نفسها. الصيرورة التي تُكرر أصلها وهو ما ينافي قوة الواقع القائمة على الاختلاف وليس التشابه.
ما الذي سيقع؟
سيسقط العالم في مرحلة العدمية التي تحدث عنها نيتشه في كتابه المثير للجدل "إرادة القوة" وبعدها بقليل ستبرز أعمال فلسفية، وأخرى أدبية وفنية، تحاكم مصير الإنسان الذي سقط في براثن الليبرالية والعدمية التي أفرغته من محتواه فبات تعيسا بهذا الذي أوجده قبلئذ. لهذا السبب آثرنا الاعتماد على فيلم "fight club" فيلم سوداوي بكل ما تحمله الكلمة من قيمة، حتى ولو تخللته مشاهد ووضعيات كوميدية، لكنه حافظ على تلك الروح التي طبعته، سواء من خلال الديكور أو الزمن أو الخلفية أو الإضاءة الباهتة أو الحوار خاصة حينما يتسم بالجدية... وهي كلها عناصر تحمل المُشاهد داخل دائرة السوداوية التي تترك لدى الفرد أثر القلق. إنه عمل يُبرز مآل إنسان الأزمنة الحديثة، ويُبين لنا بما لا يدع مجالا للشك، أنه لم يتغير أي شيء منذ 1900
وكنتيجة لذلك، سيبرز إلى العلن صراع سيتجسد بين الحفاظ على الذات التي يراها المجتمع، وتلك التي يخشاها الإنسان في نفسه.
ستنتصر الذات الأولى حينما سيصبح الإنسان الحالي عبدا للموضة ولوسائل التواصل الاجتماعي، للشبكة العنكبوتية وللنمط الجديد le nouveau style الذي يفرض دون أن يفرض. الذي يرسم طرقا ملتوية نحو العدمية السلبية أو الارتكاسية بلغة نيتشه. والحال أننا لو أردنا الغوص كثيرا، فسنقول أن الفيلم عبارة عن فلسفة نيتشه وقد تحولت من السطر والمعنى إلى الصورة والحركة، فلسفة تتحدث عن وعد النهضة والأنوار، ليس من باب المحاكمة وإنما من باب الوصف البارد الذي يطرح الأسئلة.. يخيف القارئ.. يفتح عينيه على ما لا يرى وإن كان يشكل حياته وقدره.. يقوم بكل ذلك ثم ينصرف تاركا الجميع في حيرة مُبينة. وهذا الذي يمكن أن نلمسه في فيلم "fight club" الذي يُصور لنا عالما لا مرجعية ولا يقينا فيه، ما عدا الحضارة الاستهلاكية التي أفرغت العالم من المعنى، تماما كما وصفه نيتشه حينما تحدث عن موت الإله.
ما الحل؟
سنجد أن تايلر ديردن محاولة فاشلة لتجسيد الإنسان الأعلى وفلسفته في الحياة، وهو ما يتبدى في سعيه للتحرر من الأخلاق السائدة، أي أخلاق العبودية والجري وراء المال والرتابة والروتين الذي ينجُمُ عنهما، فيؤسس ناديا للقتال كبديل يتجاوز الخوف والضعف والحدود. إلا أنه لم يبلغ مرتبة الإنسان الأعلى لأنه عوض نموذجا ثابتا بآخر لا يقل عنه أهمية. لنعتبره نيتشويا ناقصا إذن! جسّد فلسفته في التحرر من عبودية القرن العشرين التي بشر بها فيلسوف المطرقة في جل أعماله خاصة المتأخرة. بيد أنه لم يبلغ مرتبتها العظمى حينما حاكم البطل وأعاده نوعا ما إلى رشده، فالراوي حينما قتل تايلر، إنما كي يضع حدا لهذه المغامرة التي لم يستطع ابتلاع روحها، وهو ما سيعيد العالم بعدئذ إلى ما كان عليه، وكأن البطولة في الفيلم ليست في القوة بل في الوعي بالشر الكامن فينا ثم السيطرة عليه بعدئذ. سينهزم البطل أخيرا.. سينهزم أمام قوة الموضة والاستهلاك والمظاهر... وهكذا فإذا كان نادي القتال تجربة لتذوق الوجود عبر الألم، فإنه توقف عند هذا الحد دون أن يجيب لنا على السؤال:
إلى أين يمكن أن يصل نادي القتال؟
ربما نعثر على الجواب بشكل ضمني وهو الفشل.
لكنه لم يستطع أن يذهب به إلى أبعد حد. أن يصنع لنا الجزء الثاني من الفيلم والذي سيتم فيه هدم كل الأوثان التي شيدتها الرأسمالية. ستنتصر أخيرا، بينما ستنتهي تجربة نادي القتال إلى الفشل الذريع، وكأن كل تغيير جذري على طريقة نيتشه، سيكون ممتعا من جانب القراءة والفهم، لكنه فاشل من ناحية التطبيق. هل شعر كاتب الفيلم بالإرهاق؟ هل ابتلعته شخصية البطل فشعر بالخوف ثم قرر إنهاء كل شيء بمشاهد متسارعة؟ هل يفقد إيقاع مجاراة البطل من خلال جهله بالمستقبل الممكن حدوثه؟ كل ما نعرف أن نادي القتال انهزم.. والرأسمالية انتصرت. بينما تبخر حلم الإنسان الأعلى لصالح الإنسان الذي يتكلم مثلما يتكلم الآخرون، ويستهلك مثلما يستهلكون.
ماذا تبقى لنا غير السخرية والانتظار؟
ملحوظة شبه زائدة: لا يجب أن نفهم من ذلك، أن نظرتنا سياسية ضيقة كما تلقيت من بعض القراء، خاصة المنتمين إلى بعض الإيديولوجيات المعينة، لكنها قراءة فلسفية لا تحاكم ولا تتخندق!