بعد الهجمات الإيرانية المكثفة التي استهدفتها، مهددة صورة الإمارات كوجهة جذابة ومستقبلها كمركز مالي، بدا أن أبوظبي تعزز تقاربها مع إسرائيل، ما قد يخلق توترا مع حلفائها التقليديين في الخليج ويعمق خلافها مع طهران.
ويرى محللون أن الإمارات، التي يتألف 90% من سكانها من المقيمين الأجانب، والتي استعانت بأنظمة دفاع جوي إسرائيلية خلال تصديها لأكثر من 2800 طائرة مسيرة وصاروخ من إيران، تضع أمن أراضيها فوق كل اعتبار، سعيا للحفاظ على نموذج اقتصادي قائم على الاستقرار.
في الوقت ذاته، يبقى التوتر قائما بين الإمارات والسعودية، وإن غير معلن، على خلفية الحرب في اليمن والتنافس الاقتصادي وعلى النفوذ... ولم يساهم قرار أبوظبي المفاجئ بمغادرة منظمة "أوبك" التي تقودها السعودية، في تهدئة الأمور. ويؤشر كل ذلك إلى إمكانية إعادة رسم معادلات العلاقات في الخليج.
وتقول سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، "الإمارات تفكر في المستقبل، وترى في إسرائيل أفضل شريك أمني يمكنه توفير الدعم اللازم لتعافيها الاقتصادي".
وتعد الإمارات أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن بين قلة من الدول العربية التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل في إطار الاتفاقات الإبراهيمية عام 2020. لكن حرب غزة في العام 2023 جعلت مسألة التطبيع أكثر حساسية في العالم العربي.
وعززت أبوظبي علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل حتى بعد أن أشعل البلدان فتيل حرب سعت أبوظبي لتجنبها، لترد إيران على هجومهما عليها بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على الإمارات خصوصا وغيرها من دول الخليج.
وأكد السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الثلاثاء، أن هذه الدولة زودت الإمارات بمنظومة قبة حديدية وأفراد لتشغيلها خلال الحرب مع إيران.
في المقابل، انتقد مسؤولون إماراتيون دولا عربية دون تسميتها، متهمين إياها بإظهار تضامن أجوف طوال فترة الحرب.
ويرى نديم قطيش، الإعلامي اللبناني الإماراتي والمستشار السياسي المقرب من الحكومة في الإمارات، أن تعامل بعض الدول لم يرق إلى المستوى المطلوب، "في حين كان هذا أخطر تهديد وجودي واجهناه منذ تأسيس الدولة".
ويضيف "لكن في هذه الحرب، وقف الإسرائيليون إلى جانب الإمارات عندما كان عليهم الوقوف إلى جانبها".
حساسيات
وتوقف مسؤولون في الإمارات أحيانا عند مسألة التعاون مع إسرائيل كنموذج يحتذى به لمنطقة الخليج ما بعد الحرب.
وصرح مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش الشهر الماضي بأن النفوذ الإسرائيلي والأميركي في الخليج سيزداد نتيجة "استراتيجية" إيران في المنطقة.
حتى الآن، البحرين والإمارات هما الدولتان الخليجيتان الوحيدتان اللتان تربطهما علاقات مع إسرائيل، فيما تنظر دول أخرى بشكل متزايد إلى الأمر على أنه عامل مزعزع للاستقرار.
وفي ظل الحساسيات المرتبطة بكل ما يمت إلى العلاقات العربية مع إسرائيل بصلة، تحرص الإمارات على عدم الحديث علنا عن أي تطور في العلاقات.
فبعد أن أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الأربعاء، أن هذا الأخير عقد اجتماعا "سريا" مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان خلال الحرب مع إيران، نفت أبوظبي الأمر.
ويرى أندرياس كريغ، الخبير في الشؤون الأمنية في جامعة "كينغز كولدج" اللندنية، أن الكشف عن الزيارة كان بالنسبة لنتانياهو وسيلة لإبراز نقطة قوة مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل.
وتقول وكيل "يروج الإسرائيليون لهذه العلاقة على أنها أكثر مما هي عليه فعلا"، مضيفة بأنها "أقرب إلى شراكة عملية في المجالين الأمني والاقتصادي".
وتضيف أن الإمارات ستواصل تنويع شراكاتها، وتوسيع علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين والآسيويين الذين يمثلون ركيزة أساسية لدفاعها واقتصادها.
التوتر الإماراتي السعودي
خلقت العلاقات الإماراتية الإسرائيلية تحديات للدولة الخليجية منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وبحسب محللين، فإن مكانة الإمارات كمركز مالي عالمي، وحليف رئيسي لواشنطن يستضيف حضورا عسكريا أميركيا، وبلد عربي مسلم تربطه علاقات مع إسرائيل، كلها عوامل جعلتها هدفا رئيسيا لإيران. بالإضافة إلى أن مواقف الإمارات ردا على الهجمات الإيرانية كانت الأكثر حزما بين دول الخليج.
وساهم تعزيز الإمارات تقاربها مع إسرائيل في إبراز حجم التوتر المتنامي بين أبوظبي والرياض، لا سيما بعد الخلاف بين الجارتين بشأن اليمن منذ كانون الأول/ديسمبر.
واتخذت الإمارات موقفا أكثر تشددا تجاه إيران مقارنة بجيرانها، واصفة إياها بالعدو. في المقابل، شددت السعودية مواقفها من إسرائيل، لا سيما منذ الحرب في قطاع غزة وتراجع فرص إقامة علاقات دبلوماسية بينهما.
وكانت مفاوضات برعاية أميركية جارية لتطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية، وقد علقت عقب هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 الذي أشعل فتيل الحرب المدمرة في غزة.
واتهم المدير العام السابق للمخابرات العامة السعودية الأمير تركي الفيصل، في مقال نشر مؤخرا، إسرائيل بالتخطيط "لإشعال حرب" بين السعودية وإيران في محاولة لفرض "إرادتها على المنطقة".
ويقول قطيش، في إشارة إلى موقف الإمارات، "هناك من يصرون على فكرة الهيمنة الإسرائيلية، وهناك من هم أكثر واقعية، وينظرون إلى إسرائيل كأي دولة أخرى... يمكننا إدماجها" في المنطقة.
عن (أ.ف.ب)