"الخروج" المدرسي.. شكون مسوق؟!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

"المدرسة المغربية لا تعيش أزمة كما يتم تداوله، والمدرسة المغربية لا تعيش سكتة قلبية كما يلوكه البعض. المدرسة المغربية انتهت وباتت عظامها رميما شهد على ما وقع ذات حقبة، ويشهد بصمت القبور على ما يقع..." مقطع مزلزل كتبه الدكتور وأستاذ الفلسفة هادي معزوز، في مقاله الأسبوعي الذي ينشره بموقع "تيلكيل عربي" كل يوم أحد، بعنوان "قف.. إنه الدخول المدرسي...!"

حين قرأت المقال وقفت فعلاً. ثم طرحت سؤالا واحدا لا غير: هل توجد قناعة في المغرب بأن هناك حاجة إلى التعليم؟

سؤال تقتضي الإجابة عنه ضرورة الوقوف عند أربعة عناصر أساسية، من شأنها منح رؤية شاملة تجاه وجود هذه القناعة من عدمها. وهي: نسبة الهدر المدرسي، قيمة إنفاق المغرب على البحث العلمي مقرونة بخسائره من الناتج المحلي الإجمالي، حقيقة جودة ومجانية التعليم وحصيلة برامج الإصلاح منذ سنة 1999.

خلال الموسم الدراسي 2023/2022 فقدت المدرسة المغربية قرابة 300 ألف تلميذ وتلميذة بسبب الهدر المدرسي، ويشمل إما الانقطاع النهائي عن الدراسة، أو عدم إتمام المراحل الإلزامية، وأيضا حالات التسرب الدراسي الكلي والجزئي.

هذا الرقم يسجل كل سنة، قد يزيد أو ينقص قليلا. إذن، وباعتماد المنطق التراكمي في المتوسط خلال الخمسة مواسم دراسية الأخيرة، سنجد أن أكثر من مليون ونصف مليون تلميذة وتلميذ غادروا حجرات الدراسة أو لم يتموا تعليمهم.

رقم مفزع، بالنظر إلى تعداد سكان المغرب حسب الإحصاء الأخير، ويُفزع أكثر حين ندمجه مع الأرقام المسجلة سنويا على مستوى التعليم العالي، حيث تُسجل نسب فرق مهولة بين عدد الطلبة المسجلين وتعداد من يكملون مسار تحصيل الشهادات الجامعية.

نسب الهدر هذه تؤدي مباشرة إلى نتائج حتمية، تنتج خسائر مستقبلية على مستوى إنتاجية الفرد ونسب البطالة وخلق القيمة المضافة وتدني الأجور، ما يؤثر على الإرادات الضريبية للدولة. دون إغفال الآفات المجتمعية والنفسية التي تنتج عن تدهور تربية وتعليم الأجيال، أيضا قيمة وفعالية وجودة حتى الذين يقاومون للاستمرار بالجلوس داخل قاعات المؤسسات التعليمية.

هذا الواقع يجرنا مباشرة إلى نقاش العنصر الثاني، أي "قيمة إنفاق المغرب على البحث العلمي مقرونة بخسائره من الناتج المحلي الإجمالي". وحين نقول البحث العلمي، يجب أن نتفق على أن إنتاج المناهج التعليمية جزء لا يتجزأ منه.

هنا سوف أقتبس مجددا من مقال الدكتور في الفلسفة هادي معزوز، ومما جاء فيه بخصوص هذا الجانب: "حينما أسترق النظر اليوم إلى البرامج الدراسية، لا أنكر أنها تقنية تحاول جاهدا مسايرة العصر، لكنها فارغة شيئا ما من المحتوى، علما أن وضعها كان يجب أن يُستشار فيه الفيلسوف وعالم الاجتماع وعالم النفس ثم رجل التاريخ. لسبب وجيه يكمن في أن المشكل لا يتعلق بالبرنامج الدراسي ولا بكتبه المدرسية فقط، بل يتعداها إلى أبعد وأعقد من ذلك، وهو البنية التي لن يفهمها سوى الفيلسوف، والخصوصية والمحيط التي سيفيدنا فيها عالم الاجتماع وعالم النفس بشكل كبير، ثم الظرف وعلاقته بالتراكم التي هي من اختصاص رجل التاريخ، آنئذ سيتم خلق تصور ملائم لبنيتنا وخصوصيتنا وما حققناه من تراكم، وعبره سيتم وضع برامج مدرسية ملائمة لما أنجز فلسفيا واجتماعيا ونفسيا وتاريخيا..."

إن تجاهل المغرب للبحث العلمي، حتى عند نقطة الانطلاق، يجعله يخسر مليارات الدولارات سنويا.

لفهم ذلك، يجب أن نستحضر، أولا، أنه حسب آخر أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي، المسجلة برسم سنة 2023، إنفاق المغرب على البحث العلمي لا يتجاوز سنويا نسبة 0,22 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. في المقابل تبلغ هذه النسبة في الدول الأوروبية ما بين 1 إلى 3 في المائة، مع الأخذ بعين الاعتبار قيمة هذا الناتج عندها مقارنة بالمغرب.

وبالحديث عن الناتج المحلي الإجمالي، تؤكد تقارير المؤسسات المالية الدولية، ونتائج مجموعة من الدراسات التي أنجزت على كلفة تدهور وضعف قطاع التعليم بالمغرب، أن الهدر المدرسي وحده باحتساب الخسائر المستقبلية التي تطرقنا لها سلفا، يكلف المغرب خسارة مليار دولار سنويا.

في السياق ذاته، استمرار تدني جودة وكفاءة التعليم بالمغرب، تفقده على الأقل ما بين نقطة إلى نقطتين إضافيتين من الناتج المحلي الإجمالي.

أي أنه إذا أخذنا قيمة الأخير خلال سنة 2024، والتي بلغت 154,43 مليار دولار، فإن الخسائر السنوية، باعتماد المقارنة المعيارية مع دول تتوفر على أنظمة تعليمية ذات جودة وكفاءة، تبلغ ما بين أكثر من 1,5 و3 مليارات دولار سنويا.

هذه الخسائر لها ارتباط وثيق بالعنصر الثالث، أي الأسباب التي تنتج الواقع التعليمي المستمر في الزمان والمكان وفق منحى يتجه دائما نحو الأسفل.

وهو: "حقيقة جودة ومجانية التعليم".

سأعود مرة أخرى إلى مقال الدكتور هادي معزوز، لأستعير منه فقرة إضافية من مقاله الأخير، وجاء فيه: "المدرسة على المستوى البنيوي، كلّ، عناصره مرتبطة في ما بينها، فإما أنها ستصنع أطرا مبدعة في كل المجالات أو لا. ولهذا فإن الانفلاتات ليست صنيعة المدرسة فقط، بل هي صنيعة الجانب العصامي في الفرد، وظروفه المحيطة به أيضا، والتي قد تدفعه إلى التخلص منها بالكد والجد، فتستحيل محركا ودافعا نفسيا من أجل تجاوزه".

هنا، سوف أضيف معطى آخر لنتائج تشريحه بخصوص ما هو متوفر للتلميذ المغربي من جودة وكفاءة تعليميتين، لخصها الدكتور معزوز في جانب مهم، حين ربطها بعصامية المتعلم أكثر مما هي مرتبطة بالمدرسة المغربية أساسا، وهو معطى قدرة الأسرة المغربية على استمرار مواجهة وهم مجانية التعليم بالمغرب.

لنفترض أن كل أبناء المغاربة يلجون المدرسة العمومية بواقعها الحالي، تحقيق الفاعلية والجودة يفرضان على الأسر تكاليف مالية فعلية تتراوح حسب التوزيع المجالي ما بين 1000 إلى 5000 درهم سنويا.

قيمة مرتفعة جدا بالنظر إلى دولة متوسط الدخل السنوي لمواطنيها لا يتجاوز 4000 دولار أي قرابة 40 ألف درهم.

أما الواقع، فيحمل أرقاما صادمة أكثر مما تحمله التقارير والدراسات، حيث تكلفة تدريس طفل واحد داخل التعليم الخصوصي بالمستوى الابتدائي، تفوق في المتوسط 18 ألف درهم سنويا، دون احتساب مصاريف النقل والأكل واللباس والتسجيل والتأمين والكتب واللوازم المدرسية وباقي المختلفات التي لا تنتهي طيلة الموسم الدراسي، بما فيها حتى الأوراق البيضاء التي تطبع عليها الرسائل الموجهة إلى الأمهات والآباء وأولياء الأمور، هذه بدورها تحولت لاستثمار خفي عند أرباب المؤسسات التعليمية الخاصة.

أما العنصر الأخير، فيكفي القول هنا إن المغرب جرب، منذ سنة 1999، الميثاق الوطني للتربية والتعليم ولم ينجح، فلجأ للمخطط الاستعجالي ثم أعلن فشله، ولم نرث منه غير تحقيقات صرف ملياراته على الخواء، وجلها إن لم يكن كلها ضخت في ميزانية القطاع من القروض.

ثم مررنا بعد سنة 2012 إلى برنامج تطوير المناهج بشعار "مدرسة الغد"، لنقف اليوم عند محطة الرؤية الاستراتيجية للتربية والتعليم 2030/2015 يقودها نموذج "مدارس الريادة".

ماذا تحقق من كل هذه الإصلاحات؟

الجواب: يبدو أنه "حتى واحد ما مسوق كما يجب!"

النتيجة: كل موسم دراسي نعيش "الخروج" أكثر مما نحقق "الدخول"!

مواضيع ذات صلة