دعا الملك محمد السادس، في الخطاب الملكي الذي وجهه إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى الـ 26 لعيد العرش، مساء يوم الثلاثاء 29 يوليوز الماضي، إلى "اعتماد تدبیر استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تزايد حدة الإجهاد المائي وتغير المناخ، وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج، في انسجام مع المشاريع الوطنية الكبرى، التي تعرفها البلاد".
في هذا السياق، قال محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، إن ما جاء في الخطاب الملكي حول الماء يمكن وصفه بأنه يشكل أنجع حل للأزمة المائية التي يمر منها المغرب منذ ما يزيد على ست سنوات. فالتوجيه الملكي يمكن اعتباره قاعدة لمشروع وطني كبير يهدف إلى خروج البلاد من الأزمة المائية الحالية وتحقيق الأمن المائي، في ظل الندرة المائية القصوى التي أصبحت هيكلية ولا يمكن الخروج منا، مع كل ما يترتب على الأمن المائي من ديمومة في التزويد بمياه الشرب والزراعة المروية والقطاعات الأخرى، وكذا تثمين الموارد المتاحة وتعظيم مردوديتها الاقتصادية والمحافظة على البيئة، في سياق الموارد المائية المتاحة.
وأبرز بازة، في معرض حديثه، أن عبارة "اعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية في ظل تزايد حدة الإجهاد المائي وتغير المناخ" يراد منها اتخاذ إجراءات وقائية ومستدامة لإدارة المياه بطريقة تستبق آثار الإجهاد المائي المتزايدة بسبب تغير المناخ والتخفيف منها، ومن بين ذلك، على سبيل المثال، حماية مصادر الموارد المائية والحفاظ على الكميات المتاحة منها واستخدامها العقلاني والمسؤول، وإيجاد حلول مبتكرة لمعالجة تزايد الندرة، والتقليل من الطلب عليها أكثر مما هو متاح.
وأشار بازة إلى أن الإرادة الاستباقية تعني توقع المشاكل المتعلقة بالمياه، مثل الندرة، قبل حدوثها، عبر دراسات وتنبؤات وتوقعات علمية بفترات الجفاف والنقص في الواردات المائية، والتأهب للنقص المرتقب عبر الرفع من العرض إن أمكن ذلك، والتكيف معه عبر تقليل الطلب على الماء؛ حيث إن الإجراءات الاستباقية تمكن من تفادي اتخاذ إجراءات كرد فعل بعد حدوث المشاكل الناتجة عن الندرة، والتي عادة تكون أسوأ وكلفتها أعلى. كما تشمل الإجراءات الاستباقية، أيضا، المراقبة بدقة في ما يخص مستويات المياه، ونوعيتها وتطبيق التدابير اللازمة لتجنب التحديات والمشاكل الممكنة.
وفي ما يتعلق بالتدبير المستدام للموارد المائية، أوضح الخبير أن المراد بها استخدامها بطريقة تلبي المتطلبات الحالية مع مراعاة الحفاظ على احتياجات الأجيال القادمة وتفادي المساس بها، من خلال حماية النظم البيئية المائية والتنوع البيولوجي داخلها والحفاظ على الدورة المائية الطبيعية، خاصة بين المياه السطحية والجوفية، وكذلك عبر الحد من تلوث المياه، ومن الأهمية بمكان في ما يخص التدبير المستدام الحرص على التوازن بين الواردات المائية، أو ما يعرف بالعرض، من جهة، والاستعمالات المتعلقة بها، أو ما يسمى بالطلب، من جهة أخرى، حيث إن الخلل في التوازن يؤدي تراكمه التدريجي إلي النقص في الموارد المتاحة بصفة عامة، وإلى استنزاف ثم اندثار المياه الجوفية بصفة خاصة.
واستطرد الخبير قائلا إن الإجهاد المائي يشير إلى ندرة المياه، التي تتفاقم بفعل عوامل شتى، من بينها النمو السكاني، والزيادة في استهلاك المياه خاصة في الزراعة، وتغير المناخ الذي يؤدي إلى الجفاف الذي ارتفعت وتيرته وحدته خلال العقود الأخيرة ومن المنتظر أن يصير أكثر حدة وشدة في المستقبل.
أما تغير المناخ فينتج عنه تغير نمط هطول الأمطار من حيث الكمية والحدة والتذبذب، في الزمان والمكان، كما أنه يتسبب في رفع درجات حرارة الجو والمياه، مما يؤثر على مخزون المياه السطحية نتيجة التبخر، كما يتسبب في زيادة الطلب على المياه ويؤثر على جودتها، كما يشمل تغير المناخ أيضا ارتفاع فترات الأحداث القصوى خاصة الجفاف والفيضانات.
وذكر أن التدبير الجيد للموارد المائية يأخذ كل هذه العوامل في الاعتبار خلال التخطيط والتنفيذ، وذلك، على سبيل المثال، عبر بناء السدود في المناطق التي لا تزال فيها مياه تضيع بكميات عالية في البحر أو الصحراء، وإنشاء محطات لتحلية مياه البحر والمياه الجوفية المالحة، ومحطات لمعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، وتبني تقنيات حصاه المياه وغير ذلك.
ولفت الانتباه إلى أهمية حسن تدبير كميات المياه المتاحة، عبر تبني التقنيات والتدابير التي تقلل من الفاقد ومن ضياع المياه خلال التخزين والنقل والاستعمال، وتلك التي ترفع من قيمة ومردودية الماء، مثل الري بالتنقيط وتدبيره بالطرق السليمة فيما يخص الفلاحة المروية، مثلا، كما يلزم أيضا تطبيق قانون المياه بكامله وتبني كل مكونات حكامة الموارد المائية من أجل ضمان حسن تدبيرها واستدامتها والأمن المائي للبلاد.