الذكاء.. الكذبة التي صدقناها جميعا

تيل كيل عربي

* بقلم: د-عبد الغني يتريبي

لنقلها بوضوح: نحن لا نعيش أزمة ذكاء… بل أزمة فهم للذكاء.

لقد أقنعنا أنفسنا، لعقود، أن الإنسان يمكن اختزاله في رقم : اختبار واحد، نتيجة واحدة، حكم نهائي. رقم يُحدد من “يستحق” ومن لا يستحق. رقم يفتح الأبواب للبعض… ويغلقها في وجه آخرين إلى الأبد.

هذه ليست مجرد أداة قياس. هذه منظومة إقصاء ناعمة، اشتغلت بكفاءة مقلقة.

حين يتحول القياس إلى عنف صامت

منذ بداية القرن العشرين، قررنا - ببرود علمي  -أن الذكاء هو الحساب والمنطق.

كل ما لا يُقاس… لا قيمة له.

المشاعر؟ هامش.

الحدس؟ غير علمي.

الإبداع؟ رفاهية.

وهكذا، صنعنا أجيالًا من “الناجحين” وفق معيار ضيق، وأجيالًا أخرى من المُقصيين… دون ضجيج.

أطفال تم تصنيفهم مبكرًا.  مسارات حُسمت قبل أن تبدأ. وأحلام أُجهضت باسم “الموضوعية”.

الحقيقة المؤلمة؟ لم نكن نقيس الذكاء… كنا نقيس القدرة على اجتياز اختبار.

 العلم نفسه يعترف: كنّا مخطئين

ثم جاءت الصفعة من داخل العلم نفسه. “الذكاءات المتعددة” لم تكن نظرية مريحة، بل اعترافًا ضمنيًا بفشل النموذج القديم.

فجأة، لم يعد الذكاء واحدًا. بل صار وجوهًا متعددة للحياة. ثم جاء “الذكاء العاطفي” ليُحرج الجميع: كيف يمكن أن يكون شخص ناجحًا أكاديميًا… وفاشلًا إنسانيًا؟ كيف يمكن لعقل لامع… أن يكون عاجزًا عن فهم نفسه أو غيره؟

السؤال لم يعد: “كم تعرف؟” بل: “هل تفهم؟”

في زمن الاضطراب… يسقط الوهم

اليوم، في عالم مرتبك، سريع، بلا يقين، سقط آخر معاقل هذا الوهم. الذكاء لم يعد امتلاك الإجابات. بل القدرة على تحمّل غيابها. أن تعيش في الغموض دون أن تنهار. أن تغيّر نفسك دون أن تفقدها. أن تتعلم… ثم تُعيد التعلّم.

الذكاء لم يعد تراكمًا، بل مرونة… أو لا شيء.

الصدمة الحقيقية: الآلة أذكى… فماذا بقي لنا؟

ثم جاءت الضربة القاضية: الذكاء الاصطناعي. آلة تحسب أسرع منك. تتذكر أكثر منك. وتتعلم بطريقة قد لا تفهمها أصلًا. كل ما اعتبرناه “ذكاءً”… أصبحت الآلة تتقنه. إذن، ما الذي بقي للإنسان؟

الحقيقة غير المريحة: لقد أخطأنا في تعريف الذكاء منذ البداية. الذكاء ليس ما تستطيع الآلة فعله. الذكاء هو ما تعجز عنه.

أن تبحث عن معنى… لا عن نتيجة.

أن تشك… بدل أن تتأكد بسرعة.

أن تطرح أسئلة بلا إجابات جاهزة.

المشكلة ليست في الذكاء… بل فينا

المشكلة ليست في الاختبارات. ولا في الأرقام. ولا حتى في الآلات.

المشكلة فينا نحن… في حاجتنا المرضية للتصنيف، في خوفنا من التعقيد، في بحثنا عن إجابات سهلة لعالم معقد.

  لقد اخترنا تعريفًا مريحًا للذكاء، لأنه يسمح لنا بالحكم بسرعة… دون أن نفهم.

الخلاصة الصادمة: لسنا بحاجة إلى أذكى… بل إلى أكثر إنسانية

ربما حان الوقت لنسأل سؤالًا مختلفًا: ليس: من هو الأذكى؟ بل: من لا يزال قادرًا على أن يكون إنسانًا؟

في عالم تتفوق فيه الآلة في الحساب، لن ينجو إلا من يمتلك ما لا يُقاس:

  • الوعي.
  • المعنى.
  • القدرة على الشك.
  • والشجاعة لعدم امتلاك كل الإجابات.

في النهاية، المعركة ليست من أجل الذكاء… بل من أجل ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نبحث عنه.

 

*دكتور في علوم البيئة، متخصص في قضايا الاستدامة وتحولات المجالات الترابية