بعد سنوات طويلة من التوقف، يعود إلى الواجهة مشروع استراتيجي ضخم طال انتظاره: إنشاء نفق تحت البحر يربط بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق. المشروع، الذي ظل مجمداً لأزيد من 14 عاما، حصل في صيف 2025 على الضوء الأخضر لبدء الدراسات التقنية النهائية، في خطوة توصف بالتاريخية بالنظر إلى رهاناته الاقتصادية والجيوسياسية.
ثلاثة عقود من الفكرة إلى القرار
فكرة النفق ليست جديدة، إذ رافقت النقاشات الثنائية بين الرباط ومدريد منذ ثمانينيات القرن الماضي. غير أن التعثرات التقنية والمالية، إلى جانب تعقيدات السياق السياسي، ظلت تحول دون إخراجه إلى حيز التنفيذ. وفي 2023، قرر البلدان إعادة إحياء المشروع ضمن دينامية الانفتاح والتعاون الثنائي، لتصل التحضيرات اليوم إلى مستوى متقدم مع تخصيص تمويلات أوروبية مهمة عبر آلية الإنعاش والمرونة.
معلمة هندسية غير مسبوقة
المشروع، الذي تقوده الشركة الإسبانية العمومية Secegsa، يتوقع أن يمتد على طول 60 كيلومترا، منها 28 كيلومترا تحت مياه المضيق، ما سيجعله من بين أطول الأنفاق البحرية في العالم بعد "اليوروتونيل" الرابط بين فرنسا وبريطانيا.
وسيمر النفق عبر عتبة كامارينال، التي يقل عمقها عن مسار "الوادي البحري" الذي كان مطروحاً في البداية، حيث سيصل الحفر إلى نحو 300 متر تحت سطح البحر.
رهان اقتصادي عالمي
لا ينظر إلى المشروع باعتباره مجرد إنجاز هندسي ضخم، بل كجسر حيوي يربط أوروبا بإفريقيا، ويوفر منفذاً تجارياً استراتيجياً للقارات الثلاث. النفق، المخصص للسكك الحديدية، من شأنه تعزيز حركة البضائع والأشخاص، وتقليص كلفة التبادل التجاري، وجعل المغرب بوابة أساسية بين الضفتين.
تحديات تقنية ومالية كبرى
ورغم الحماس الذي يرافق الإعلان، تبقى التحديات جسيمة، سواء من حيث التكلفة المالية المقدرة بين 15 و30 مليار يورو، أو المخاطر الطبيعية المرتبطة بالنشاط الزلزالي القوي في المنطقة والتيارات البحرية العاتية. كما أن إنجاح المشروع يتطلب توافقاً مؤسساتياً وقانونياً دقيقاً بين المغرب وإسبانيا، على مستوى المعايير التقنية والتشريعات المرتبطة بالنقل والبنية التحتية.
الأفق الزمني للمشروع
المرحلة الأولى تشمل إنجاز الدراسات الجيوتقنية والزلزالية، المرتقب انطلاقها في شتنبر 2025، على أن تمتد أشغال البناء إلى ما يقارب 15 عاماً، بموعد إنجاز مبدئي يحدد سنة 2040 كسقف زمني للتسليم.