حذر السوسيولوجي محمد الطوزي، رئيس جمعية "تاركا إيد" ، من أن الأطلس الكبير لا يواجه اليوم فقط آثار زلزال الحوز، بل يواجه أيضا خطر نزوح متزايد للشباب وتفاقم أزمة ديمغرافية قد تمس قدرة المجال على إعادة إنتاج نفسه اجتماعيا واقتصاديا، معتبرا أن إعادة بناء المنازل، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لإبقاء الساكنة في مناطقها الأصلية إذا لم تواكبها إعادة تثمين وسائل العيش والإنتاج.
وقال الطوزي، في حوار مع "تيلكيل عربي"، على هامش توقيع ثلاث اتفاقيات تمويل بين الاتحاد الأوروبي ومنظمات من المجتمع المدني المغربي يوم الجمعة الماضي، إن جمعية "تاركا" كانت ضمن المشاريع الثلاثة التي جرى اختيارها للاستفادة من الدعم الأوروبي الموجه إلى المناطق المتضررة من الزلزال، مشيرا إلى أن هذا الاختيار يرتبط بتجربة الجمعية في مناطق الأطلس منذ سنة 1985، وباشتغالها الميداني على قضايا الماء والتطهير السائل ووسائل الإنتاج والاقتصاد المحلي.
ما طبيعة الاتفاقية الموقعة مع الاتحاد الأوروبي، وكيف جاء اختيار جمعية "تاركا" في سياق تمويل مشاريع بعدد من الجماعات المتضررة؟
الإطار الاتفاقي الذي نتحدث عنه جاء في إطار نداء للتمويل، يهم تمويل مشاريع في عدد من الجماعات، وبحكم أن جمعية "تاركا" تشتغل في مناطق الأطلس منذ سنة 1985، وراكمت تجربة ميدانية في هذه المجالات، ولدينا مشاريع أخرى، فإن هذا المشروع جاء بتمويل مهم سيتيح لنا هامشا أكبر من العمل وبعض الأريحية.
ويندرج هذا المشروع في مجال إعادة تثمين وسائل الإنتاج في المنطقة، لأن البرنامج الحكومي الذي جاء بعد الزلزال ركز، في جانب أساسي منه، على إعادة إسكان الساكنة، غير أن السكن وحده لا يكفي لكي يعيش الناس في المنطقة، إذ لا بد من توفير وسائل العيش بالرغم من قيام وزارة الفلاحة بمجهود في هذا المجال.
ولهذا نتحدث عن إعادة تثمين وسائل الإنتاج، سواء تعلق الأمر بالسواقي أو قنوات الري، أو بالفلاحة المحلية، أو بوسائل الإنتاج الحيواني، بما يساعد الأسر على استعادة جزء من نشاطها ومواردها.
وهناك جانب آخر نعتبره مهما جدا، لأننا سبق أن اشتغلنا في مجال الماء والتطهير السائل، وكانت هناك إشكالات كبيرة في هذا الباب، خصوصا ما يرتبط بإعادة تصفية المياه العادمة بوسائل تقنية وطبيعية، وهذه تجربة يمكن البناء عليها في هذه المناطق.
بعد مرور هذه الفترة على زلزال الحوز، كيف تقيمون الوضع اليوم، وهل انتقل المغرب فعلا من مرحلة تدبير الأزمة إلى مرحلة إعادة بناء المجال؟
على مستوى تدبير الأزمة، كانت هناك مجهودات مهمة إلى حد ما، لكن، على مستوى السياسات العمومية، يطرح الأمر تحديات أكبر، لأن الأطلس الكبير له خصوصيات طبوغرافية واجتماعية وثقافية واقتصادية، مع الإشارة إلى أن وكالة تنمية الأطلس الكبير لم تبدأ العمل بعد.
هذه الخصوصيات تجعل السياسات العمومية مطالبة بألا تقتصر فقط على مستوى البناء أو المدارس أو الطرق، بل تحتاج إلى تقنيات جديدة ومقاربات جديدة، فالأطلس الكبير يتوفر على خزان مهم يتمثل في ثقافته الاجتماعية، وهذا يفرض أن تؤخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار.
وإذا أخذت السياسات العمومية هذه الخصوصيات في الاعتبار، فإن الدولة تستطيع إنتاج آليات جديدة للعمل مع الناس، بشكل أكثر ملاءمة لطبيعة المجال وحاجيات الساكنة.
حاليا، يواصل الاتحاد الأوروبي دعمه للمغرب، هل تعكس هذه الاتفاقيات ثقة في النموذج المغربي؟
أعتقد أن تدبير أزمة الزلزال كان نموذجيا، فقد بدأ التدبير أولا بإمكانات ذاتية، وكان هناك زخم على المستوى الجماعي والمؤسساتي للدولة، وهو ما أعطى صورة مهمة لدى شركاء المغرب، من قبيل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.
هذا التدبير أظهر أهمية الإمكانات الذاتية للدولة، وأبرز قدرة المغرب على مواجهة الأزمات، وأعتقد أن تدبير أزمة الزلزال كان نموذجيا، كما أن المغرب أبان، في سياقات أخرى، عن قدرة على تدبير الأزمات والحفاظ على توازنات الاقتصاد.
من منظور سوسيولوجي، ما هي أبرز التحولات التي خلفها زلزال الحوز؟
هناك نزوح كبير للناس خارج الأطلس الكبير، والمنطقة أصبحت مهددة بتفاقم أزمة ديمغرافية، خاصة مع ارتفاع نسبة الشيخوخة ونزوح الشباب، وهذا أول إشكال كبير يطرح اليوم على مستوى اليد العاملة وإعادة إنتاج المجال.
ألا تعتقدون أنه رغم ذلك ما تزال هناك فئات متضررة؟
ما زالت هناك فئات من الساكنة المتضررة، وإن لم يعد الوضع بالحدة التي تظهر في مواقع وسائل التواصل الاجتماعي.
هل معنى هذا أن المشاكل انتهت؟
لا أبدا، هناك فقر ومشاكل اجتماعية، وعلى المستوى الواقعي، هناك مجهودات ذاتية قامت بها الأسر، ولم تنتظر حتى تتدخل الدولة، ولا يمكن القول إن كل الإشكالات انتهت، هناك إشكالات كبيرة، خصوصا على مستوى الإنتاج الحيواني، وإشكالات أخرى على مستوى الإنتاج الزراعي، إضافة إلى مشاكل مرتبطة بالماء والتمويل والطرق، بالنظر إلى حجم المخلفات التي كانت كبيرة جدا.