"القتلة الأربعة".. دراسة مغربية: 53 في المائة من لسعات العقارب تقع داخل المنازل

محمد فرنان

كشفت دراسة علمية حديثة، نشرت نتائجها مؤخرا في المجلة الدولية لعلوم السموم (Toxicon)، عن معطيات "مقلقة" تتعلق بلسعات العقارب في أقاليم بني ملال، الفقيه بن صالح، وخريبكة، ووصفت الوضع بأنه مشكلة صحة عامة خطيرة، مسجلة عشرات الوفيات، أغلبها من الأطفال، ومحددة إقليم الفقيه بن صالح كأكثر المناطق خطورة وفتكا بالأرواح وسط الأطفال.

هذه المعطيات أتت ضمن ورقة بحثية بعنوان "الملامح الوبائية والخصائص الفونستية للتسمم العقربي في وسط المغرب: أدلة من ثلاثة أقاليم" (Epidemiological profile and faunistic aspects of scorpionism in central Morocco: Evidence from three provinces)، والتي قبلت للنشر بتاريخ 14 نونبر 2025 وهي حاليا قيد الإصدار النهائي في مجلة "Toxicon" العالمية المتخصصة في علوم السموم.

أنجز هذه الدراسة فريق أكاديمي متعدد التخصصات، يقوده الباحث عبد الصمد المريد، من الفريق متعدد التكافؤ للبحث والتطوير (EPVRD) بالكلية المتعددة التخصصات التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال.

وشارك في الإشراف وتصميم الدراسة الأستاذ الباحث أولعيد طولون من نفس الجامعة.

وضم الفريق باحثين من مؤسسات وطنية مختلفة، وهم سهام ناميق من المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة ببني ملال، وسامية بوسع من المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالرباط، إلى جانب مساهمة كل من مولاي عبد المنعم الهيدان في تحليل البيانات، وابتسام بويماجة من مختبر التكنولوجيا الحيوية وتثمين الموارد الطبيعية بجامعة ابن زهر بأكادير.

حصيلة ثقيلة

الدراسة الاستباقية التي أجراها فريق من الباحثين المغاربة امتدت لثلاث سنوات (من 2021 إلى 2024).

ورصد الباحثون خلال هذه الفترة ما مجموعه 2,206 حالة لسعة عقرب، أسفرت عن 41 حالة وفاة، ما يمثل معدل إماتة يصل إلى 1.86 في المائة.

الفوارق المجالية والجنسية

أظهرت التحليلات تفاوتات واضحة بين الوسطين القروي والحضري؛ حيث كان عدد اللسعات في الوسط القروي أعلى بكثير، مسجلا 1,820 حالة، مقارنة بـ 386 حالة فقط في الوسط الحضري.

وعزا الباحثون هذا الفارق الكبير إلى توفر البيئة المناسبة لمعيشة العقارب في القرى، مثل الجحور والحجارة، إضافة إلى طبيعة الأنشطة الفلاحية والرعوية التي يمارسها السكان.

وفيما يخص جنس الضحايا، لم تتطرق النسخ السابقة بتفصيل لهذا الجانب، إلا أن الدراسة الحالية أوضحت أن الذكور يتعرضون للسعات بنسبة أعلى قليلا بلغت 54.4 في المائة، مقارنة بالإناث اللواتي شكلن 45.6 في المائة من الحالات.

وفسر الباحثون هذا المعطى بطبيعة الأنشطة الخارجية والمهنية التي يقوم بها الرجال غالبا، مما يزيد من احتمالية احتكاكهم بالعقارب في بيئتها الطبيعية.

عاصمة الخطر

بينت الدراسة أن إقليم الفقيه بن صالح يتصدر قائمة المناطق الأكثر دموية، حيث سجلت فيه لوحده 20 حالة وفاة، أي ما يقارب نصف الوفيات (48.78 في المائة) المسجلة في الأقاليم الثلاثة.

وأورد الباحثون أن هذا الارتفاع المهول في الوفيات بالفقيه بن صالح إلى طابعها القروي الغالب (حيث يعيش 59.09 في المائة من السكان في القرى)، إضافة إلى انتشار أنواع من العقارب ذات السمية العالية جدا في تراب الإقليم.

الحلقة الأضعف

الرقم الأكثر إيلاما في الدراسة يتعلق بالأطفال؛ فبرغم أن البالغين يتعرضون للسعات بنسبة أكبر (63.7 في المائة) ، إلا أن الموت يختار الصغار، حيث أكدت الدراسة أن 76 في المائة من حالات الوفيات كانت في صفوف الأطفال (أقل من 15 سنة).

ورصدت الدراسة علاقة وطيدة ومباشرة بين عدد الأطفال الملسوعين والحالات التي تتطور إلى "تسمم حاد" (من الدرجة الثالثة) ، والذي يتميز بفشل في الوظائف الحيوية، خاصة القلب والجهاز التنفسي والجهاز العصبي.

تصنيف الخطورة

من الناحية السريرية، طمأنت الدراسة إلى أن الغالبية العظمى من الحالات (85.7 في المائة) تظهر أعراضا موضعية فقط كالألم والاحمرار، وتصنف ضمن الفئة الأولى (Class I).

في المقابل، تتطور نسبة صغيرة جدا تبلغ 4.4 في المائة فقط إلى الفئة الثالثة (Class III) الخطيرة ، إلا أن هذه النسبة الضئيلة هي المسؤولة عن الوفيات بسبب المضاعفات الخطيرة التي تصيب الأجهزة الحيوية للجسم.

الليل

كشفت الدراسة تفاصيل دقيقة حول "توقيت اللسعات"، مؤكدة النشاط الليلي للعقارب؛ حيث سجل أن 70 في المائة من اللسعات تحدث ليلا.

وبتحليل أدق، تبين أن 38 في المائة من الحالات تقع في النصف الأول من الليل (بين الساعة 6 مساء و12 منتصف الليل)، و32 في المائة في النصف الثاني (بين منتصف الليل و6 صباحا) ، مما يعني أن الخطر يداهم الضحايا غالبا أثناء نومهم أو استراحتهم المسائية.

وأشارت الدراسة إلى أن 53 في المائة من اللسعات تحدث داخل المنازل، و28 في المائة في محيطها المباشر.

وعن الأماكن التي يلسع فيها العقرب، أوضحت الدراسة أن الأطراف هي الأكثر تضررا بنسبة ساحقة بلغت 94 في المائة من الحالات.

وجاءت الأطراف السفلى (الأرجل والقدمين) في المقدمة بنسبة 50.5 في المائة، تليها الأطراف العليا (اليدين والأذرع) بنسبة 43.5 في المائة.

وتعد هذه الأرقام إشارة واضحة لأهمية ارتداء الأحذية المغلقة واستعمال القفازات عند العمل في الحقول أو التعامل مع الركام للوقاية من اللسعات.

القتلة الأربعة

من خلال المسح الميداني، حدد العلماء 4 أنواع رئيسية من العقارب في المنطقة، أخطرها على الإطلاق هو "العقرب الأسود" (Androctonus mauritanicus)، الذي أثبتت الدراسة تواجده في الأقاليم الثلاثة (بني ملال، الفقيه بن صالح، خريبكة).

أما النوع الثاني المسمى (Buthus malhommei)، فقد وجد بشكل رئيسي وكثيف في إقليم الفقيه بن صالح (10 مواقع)، وبشكل أقل في بني ملال، بينما لم يسجل له أي تواجد في إقليم خريبكة ، مما قد يفسر جزئيا ارتفاع الخطورة في الفقيه بن صالح.

ممارسات قد تقتل

نبهت الدراسة إلى ظاهرة خطيرة تفاقم من الوضع، وهي لجوء السكان إلى العلاجات التقليدية؛ حيث اعترف 26.5 في المائة من الضحايا باستخدام طرق تقليدية قبل التوجه للمستشفى.

وشملت هذه الطرق استعمال "الرباط" (Tourniquet) لحبس الدم (41.6 في المائة)، والتشريط (27.6 في المائة)، واستعمال غاز البوتان البارد (24.8 في المائة).

وأشار الباحثون إلى أن استخدام هذه الوصفات كان أعلى بشكل ملحوظ في المناطق القروية وإقليم الفقيه بن صالح ، مما يساهم في تأخير العلاج الطبي الحقيقي وزيادة احتمالية الوفاة.

توصيات

خلصت الدراسة إلى أن التسمم العقربي لا يزال يشكل تحديا حقيقيا للصحة العمومية في وسط المغرب.

وشدد الباحثون على ضرورة تكثيف حملات التوعية، خاصة في المناطق القروية، لتغيير السلوكيات الخاطئة في العلاج ، وتحسين الولوج إلى الرعاية الطبية العاجلة وتقليص الوقت بين اللسعة والعلاج، مع التركيز بشكل خاص على إقليم الفقيه بن صالح باعتباره "منطقة عالية الخطورة".