تحولت وديان إقليم تاونات، في الأسابيع الأخيرة إلى مصبات مفتوحة لسائل "المرج" السام، في مشهد يتكرر سنويًا، مع كل موسم لجني وعصر الزيتون، وسط تحذيرات من فاعلين مدنيين وناشيطين في مجال البيئة من التبعات البيئية والصحية لهذه المخلفات.
ويتهم فاعلون مدنيون بالإقليم ما يُعرف بـ"لوبي معاصر الزيتون" بارتكاب خروقات جسيمة، من خلال التخلص العشوائي من مخلفات العصر، مع ما يشكله من تهديد مباشر للحياة المائية بروافد تصب في وادي ورغة، أحد أكبر الأودية بالمملكة، والذي يغذي سد الوحدة، الخزان المائي الأكبر على الصعيد الوطني.
ولا تقف تداعيات هذا التلوث عند حدود البيئة المائية، إذ يؤكد متتبعون أن الانتشار الواسع لمادة "المرج" حرم الساكنة القروية من استعمال مياه الأودية والسواقي، مخافة انتقال آثار التلوث إلى الماشية والحياة البرية، خاصة بعد تسجيل حالات نفوق متكررة وتدهور ملحوظ في الغطاء النباتي. واقع يهدد مصدر عيش عدد من الأسر التي تعتمد أساسًا على الفلاحة وتربية الماشية.
وفي تصريح لـ"تيلكيل عربي"، قال عبد الغني الجناتي، رئيس جمعية صدى تيسة للتنمية الاجتماعية المهتمة بالشأن البيئي بإقليم تاونات، إن ما يجري "ليس مجرد اختلالات ظرفية، بل خطر بيئي وصحي داهم ناتج عن تسرب مرجان الزيتون السائل إلى الأودية، في غياب شبه تام لآليات المراقبة والزجر".
وأوضح الجناتي أن الساكنة تعيش منذ سنوات تحت وطأة هذا التلوث، في ظل غياب حلول ناجعة لمعالجة مخلفات المعاصر، مطالبًا بتدخل عاجل للسلطات المختصة لوقف التسريبات، ومراقبة جودة المياه، وفرض احترام المعايير البيئية المعمول بها. كما حذّر من أن استمرار الوضع الحالي ينذر بكارثة بيئية حقيقية تهدد التوازن الإيكولوجي وصحة المواطنين بالإقليم..
من جانبه، يرى الفاعل المدني والمستشار الجماعي بجماعة أرغيوة، جمال تاودي، أن مشكلة "المرج" بإقليم تاونات ستظل قائمة، ولا حل لها في ظل تمسّك أرباب المعاصر بالطرق التقليدية، المتمثلة في الاعتماد على صهاريج لجمع هذه المادة، والتي سرعان ما يضطرون لتفريغها في الوديان بعد امتلائها، خصوصًا في هذا الموسم الذي يشهد وفرة في الإنتاج.
وأضاف تاودي أن هناك، إلى جانب مادة "المرج" السامة، مادة أخرى من مخلفات عصر الزيتون تهدد التنوع البيئي بالإقليم، وهي مادة "الفيتور"، التي يتم التخلص منها أيضًا بشكل عشوائي، دون أي احترام لمعايير السلامة البيئية.
مصادر مدنية وسياسية كشفت أن بعض أرباب المعاصر يلجؤون إلى استغلال التساقطات المطرية لتصريف مادة “المرج” في المجاري المائية، في محاولة للتحايل على القانون وتفادي المراقبة، مستفيدين من نفوذهم المحلي، خصوصًا وأن عددًا منهم يشغلون مواقع انتخابية بالإقليم.
وكان المستشار البرلماني خالد السطي، قد أثار الموضوع داخل قبة البرلمان من خلال سؤال كتابي ، وجهه إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، حذر فيه من الأضرار البيئية والفلاحية الخطيرة الناجمة عن هذه الممارسات غير القانونية، وانعكاساتها المباشرة على صحة المواطنين، والفرشة المائية، والأمن المائي الوطني.