الهجرة غير النظامية.. الطيار: تشديد الرقابة على جزر الكناري حولها إلى جبل طارق

خديجة قدوري

سجلت وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية "فرونتكس" ارتفاعا لافتا في وتيرة الهجرة غير النظامية عبر المسار الغربي للمتوسط، الذي يشمل مضيق جبل طارق، بنسبة بلغت 50 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، مقابل تراجع ملحوظ في باقي مسارات الهجرة نحو أوروبا خلال الفترة نفسها.

ويأتي هذا التطور ليعكس بوضوح دينامية إعادة توزيع مسارات الهجرة غير النظامية داخل المجال المتوسطي، تحت تأثير الضغوط الأمنية المتفاوتة وتحول موازين الكلفة والمخاطر بين مختلف الطرق.

تحول مسارات الهجرة غير النظامية في المتوسط

في هذا الصدد، أفاد محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن الارتفاع المسجل في الهجرة غير النظامية عبر المسار الغربي للبحر الأبيض المتوسط يشير إلى تحول نسبي في دينامية شبكات الهجرة داخل المجال المتوسطي، وليس فقط إلى ارتفاع عددي معزول. فحين يتم تشديد المراقبة على بعض المسارات، خاصة طريق غرب إفريقيا نحو جزر الكناري أو المسار الأوسط عبر ليبيا، تميل شبكات التهريب والمهاجرون إلى البحث عن منافذ بديلة أقل كلفة أو أقل تعقيدا من الناحية اللوجستية.

وأوضح، في تصريح ل"تيلكيل عربي"، أن المغرب يبرز بحكم موقعه الجغرافي كبوابة استراتيجية قريبة من أوروبا، خصوصا عبر مضيق جبل طارق والسواحل الشمالية. لذلك يمكن القول إن جزءا من الضغط الهجري الذي كان يتجه نحو الكناري أو ليبيا أعيد توجيهه تدريجيا نحو المسار الغربي للمتوسط، مع بقاء عوامل الجذب الأوروبية قائمة، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو المرتبطة بالنزاعات وعدم الاستقرار في بعض مناطق إفريقيا والساحل.

ضغط متصاعد على المسار الغربي للمتوسط

أظهرت أحدث معطيات الوكالة الأوروبية تسجيل حوالي 5200 عملية عبور غير نظامي عبر المسار الغربي للمتوسط خلال الفترة الممتدة من يناير إلى أبريل الماضيين، وذلك في ارتفاع مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.

ويعزز هذا المعطى موقع هذا المسار، المرتبط بالسواحل المغربية ومحاولات التوجه نحو إسبانيا، باعتباره القناة الوحيدة داخل منظومة العبور نحو أوروبا التي شهدت تصاعدا في الضغط الهجري خلال السنة الجارية، في وقت تراجع فيه إجمالي عمليات العبور غير النظامي عبر حدود الاتحاد الأوروبي بنحو 40 في المائة، ليستقر عند حدود 28 ألفا و500 حالة.

وأشار الطيار إلى أن التناقض الظاهر بين الانخفاض العام للهجرة غير النظامية داخل الاتحاد الأوروبي وارتفاعها عبر مضيق جبل طارق، يفسر بكون الهجرة لا تتحرك بمنطق موحد على جميع المسارات. فبعض الطرق أصبحت أكثر صعوبة نتيجة الاتفاقيات الأمنية، والرقابة البحرية، والتعاون الاستخباراتي، بينما تبقى مسارات أخرى أكثر مرونة وقابلة لإعادة التنشيط من طرف شبكات التهريب.

ولفت الانتباه إلى أن قرب السواحل المغربية من إسبانيا يجعل هذا المسار مغريا نسبيا مقارنة بمسارات أطول وأكثر خطورة مثل الكناري. إضافة إلى ذلك، فإن أي تغيرات ظرفية، مثل الأحوال الجوية أو الضغط الأمني في دول العبور الأخرى، قد تدفع الشبكات إلى تكثيف نشاطها مؤقتا في منطقة معينة دون أن يعني ذلك تحولا استراتيجيا شاملا في خريطة الهجرة.

الهجرة غير النظامية.. أزمة تتجاوز الحدود الأمنية

وفيما يتعلق بمسار جزر الكناري، أفاد الطيار أن التعاون الأمني بين دول غرب إفريقيا والاتحاد الأوروبي يبدو أنه قد حقق نتائج ملموسة على مستوى تقليص انطلاق القوارب، خاصة من خلال تعزيز المراقبة البحرية، وتفكيك بعض شبكات التهريب، وتحسين تبادل المعلومات الاستخباراتية.

 وأضاف الطيار أن فعالية هذه الإجراءات تختلف من مسار إلى آخر بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية والسياسية لكل منطقة. فالمسار الليبي، مثلا، يرتبط ببيئة أمنية هشة وصراعات داخلية، بينما يعرف غرب المتوسط حركة تنقل أكبر وتشابكا اجتماعيا واقتصاديا مع أوروبا. كما أن الشبكات الإجرامية غالبا ما تتكيف بسرعة مع الضغوط الأمنية، فتغير نقاط الانطلاق وطرق العبور بدل التوقف النهائي عن النشاط.

وبخصوص استمرار ارتفاع الخسائر البشرية في البحر الأبيض المتوسط، كشف الطيار أنه رغم تشديد الرقابة، فهو يعكس حدود المقاربة الأمنية الصرفة. فالإجراءات الأمنية قد تقلل أعداد العبور في بعض الفترات، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية للهجرة، مثل الفقر، والبطالة، والنزاعات، والتغيرات المناخية، وضعف الاستقرار السياسي.

وأبرز في معرض حديثه أنه لذلك تتزايد داخل أوروبا وخارجها الدعوات إلى اعتماد مقاربة أكثر شمولية، تقوم على الجمع بين دعم التنمية الاقتصادية في دول المصدر، وفتح مسارات قانونية ومنظمة للهجرة، وتعزيز آليات الحماية الإنسانية والإنقاذ البحري، مع مواصلة الجهود الأمنية لمكافحة شبكات الاتجار بالبشر. وأضاف أن غياب معالجة الأسباب البنيوية للهجرة من شأنه أن يبقي الضغوط قابلة لإعادة التشكل والانتقال بين المسارات، رغم تشديد المراقبة على الحدود.