رحلة ليلية على سكك الزمن البطيء، تبدأ من سلا وتنتهي في وجدة، لكنها تكشف أكثر مما تنقله، بين عربات مزدحمة وأخرى تنشد الهدوء، ومشاهد تتراوح بين الحنين والفوضى، يتحول القطار إلى مرآة تعكس واقع جهة ما زالت خارج حسابات التحديث، ومسافرين أنهكهم الانتظار، دون أن يفقدوا الأمل في وصول لم يحن بعد.
سكون النوم وضجيج الذاكرة
في تمام العاشرة والنصف ليلا، يصل القطار إلى محطة سلا قادما من الدار البيضاء، قبل أن يواصل رحلته شرقا نحو مدينة وجدة، حاملا بين عرباته عربة مخصصة للنوم، توفر مساحة من الهدوء والراحة وسط صخب الرحلة الطويلة.
تضم هذه العربة غرفا للنوم بمستويات مختلفة: غرفا فردية لمن يفضل الخصوصية التامة، وأخرى ثنائية بالإضافة إلى غرف رباعية، جميع الغرف منظمة بعناية، وتجمع بين البساطة والراحة، لتمنح المسافرين ليلة هادئة على إيقاع اهتزاز القطار.
في الغرفة الفردية، يستقبل المسافر سرير نظيف وكرسي بسيط، وحنفية ماء مثبتة في الزاوية إلى جانب مرآة، يعمل المكيف بصمت، محافظا على حرارة معتدلة طوال الرحلة، مما يضفي على الجو الداخلي شعورا بالراحة.
ورغم بساطة التجهيزات، فإن الغرف توفر عزلة مستحبة ومساحة شخصية كافية تسمح للراكب بالاسترخاء، بعيدا عن المقصورات الجماعية التي تعج عادة بالأصوات المتداخلة والحركة المستمرة.
في الخارج، يتحرك القطار، وفي الداخل، يسهر طاقم العربة على راحة الركاب، يتنقلون بين الغرف بابتسامة هادئة، يستجيبون لأي نداء بلطف ومهنية، ويحرصون على أن تمر الرحلة في جو من النظام والسكينة.
في الغرفة المجاورة، سيدة مغربية تدعى نعيمة، قادمة من باريس. التقينا صدفة في محطة القطار بسلا، كانت تحمل حقيبة صغيرة وحزنا ثقيلا يكسو ملامحها، حكت لـ"تيلكيل عربي" أنها وصلت صباحا إلى مطار الرباط سلا، بعد رحلة طارئة إلى المغرب بسبب مرض مفاجئ ألم بوالدتها في وجدة.
توقيت وصول طائرتها لم يكن متوافقا مع الرحلات الجوية الداخلية، ما دفعها إلى اختيار القطار كخيار وحيد للوصول إلى والدتها في أسرع وقت ممكن.
جلست مع نعيمة لبعض الوقت في غرفتها، تبادلنا أحاديث عفوية عن الوطن، وتحديات الهجرة، وتربية الأبناء في مجتمعات لا تشبهنا كثيرا، وعن طقوس الصيف حين تعود العائلات المغربية من ديار المهجر محملة بالشوق والهدايا.
كانت نعيمة تتحدث بنبرة يختلط فيها الحنين بالواقعية، وتردد أكثر من مرة أن ما تفتقده في الغربة ليس المطبخ أو العادات، بل تلك اللمة، كما قالتها بصدق مؤثر، لمة العائلة، وفوضى الموائد.
عدت إلى غرفتي، أغلقت الباب على دفء حديثها، وأخذت حاسوبي المحمول أشتغل على بعض المهام المؤجلة، مضت الدقائق ثقيلة ومتقطعة، واصلت العمل حتى بلغ القطار مشارف محطة فاس، حيث توقف من أجل تغيير قاطرة القيادة.

110 سنوات من الإهمال
يتوقف القطار عادة بمحطة فاس حوالي 40 دقيقة لتغيير القاطرة، وهي مدة زمنية باتت تشكل جزءا ثقيلا من الرحلة الطويلة بين وجدة والدار البيضاء، هذا التوقف الروتيني يربك إيقاع السفر ويستهلك من صبر الركاب، حيث يتحول الانتظار إلى لحظة جمود مرهقة.
هذه المشكلة كانت موضوع مساءلات برلمانية متكررة من طرف نواب الأغلبية والمعارضة على حد سواء، في سياق وصفهم للوضعية الكارثية التي يعيشها النقل السككي بالجهة الشرقية.
ففي سؤال وجهه النائب البرلماني عمر أعنان، عضو الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية، إلى وزير النقل واللوجستيك، ندد بما اعتبره استمرارا لمعاناة يومية لمئات المواطنين، قائلا إن "الخط السككي الرابط بين وجدة والدار البيضاء يظل أحد أبرز مظاهر التهميش التنموي، نظرا لغياب أي استثمار بنيوي أو تحديث حقيقي منذ عقود"، مشيرا إلى أن الرحلة بين المدينتين تستغرق زهاء 12 ساعة في ظروف تفتقر لأبسط معايير الراحة والكرامة، وأن القطار لا يزال يشغل بمقطورات قديمة تشتغل بالوقود، وتتوقف في عدد من المحطات لفسح المجال أمام قطارات الاتجاه المعاكس، في ظل غياب تقنية تثنية السكة".
وفي السياق نفسه، أبرزت النائبة فطيمة بن عزة ، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب أن "الخط السككي الرابط بين فاس ووجدة لم يشهد أي تحديث أو تطوير منذ إنشائه قبل أزيد من 110 سنوات، على تربة هشة تشكل خطرا على حياة مستعملي هذا الخط، لا سيما في بعض المقاطع "، مشيرة إلى أن تأخر القطار أو توقفه لساعات في ظروف صعبة يزيد من معاناة المواطنين.
أما عمر حجيرة، كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، فقد سبق له خلال سنة 2022 أن وجه سؤالا في الموضوع،عندما كان برلمانيا، لفت فيه الانتباه إلى أن "القطار الذي يربط وجدة بالدار البيضاء لا يزال يقطع حوالي 550 كلم، بالإضافة إلى التوقف بمحطة فاس لتغيير القاطرة من كهربائية إلى قاطرة تشتغل بالديزل"، متسائلا: "في انتظار إنجاز خط القطار السريع TGV الذي سيربط وسط البلاد بمدن الجهة الشرقية، هل هناك من مخطط لتقليص ساعات السفر؟"
العربة 26.. حيث تختبر أعصاب المسافرين
في رحلة العودة من وجدة، على متن القطار بالدرجة الثانية الذي انطلق في تمام الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال في اليوم الموالي، بدا المشهد مختلفا كليا، العربة كانت مكتظة بالركاب، والأصوات متداخلة ومتداولة بين مكالمات هاتفية وأحاديث جانبية، في مشهد لا يتيح لأحد فرصة للهدوء أو التركيز.
تحولت المسافة إلى صخب متواصل، تتقاطع فيه القصص والوجوه والأنفاس، وكأن القطار يسير وسط موج من الضجيج الذي لا يعرف سكونا.
فتاة في العشرينيات من عمرها، تجلس في الجهة المقابلة، كانت تمسك هاتفها المحمول وتضحك بصوت مرتفع، وهي تتحدث عبر تطبيق "واتساب"، غير مبالية بالرجل المسن الجالس بجانبها، الذي اكتفى بالصمت والنظر بعيدا من النافذة.
في الجهة الأخرى شاب يتابع مسلسلا على هاتفه دون أي سماعات، صوت مرتفع يتسلل إلى أرجاء العربة، لم يكن يدرك ما يحدث من حوله، وكأنه في عالم آخر، عالم لا يتسع إلا لقصة الحب التي يعيشها على الشاشة الصغيرة.
في الجانب الخلفي، كانت طفلة صغيرة، تمسك بهاتف صغير وتعيد تشغيل أغاني الأطفال، بينما تحاول والدتها تهدئتها دون جدوى، اقتربت سيدة مسنة من الأم وقالت بلطف "زوجي مريض، ولا يقوى على سماع هذا الضجيج، أرجوك خففي الصوت."
ردت الأم بأسى " لم أعد أعرف كيف أتعامل معها، الهاتف هو الشيء الوحيد الذي يهدئها".
ومع امتداد المسافة واشتداد الضجيج، بدت العربة وكأنها تغرق في فوضى سمعية متواصلة وسط احتجاج صامت على هذا الواقع المزعج، مر مراقب القطار يراجع التذاكر، توقف عند سيدة في الأربعينات من عمرها وطلب منها تذكرتها، فبادرته بالسؤال عن سبب غياب العربة رقم 27 المدونة على تذكرتها.
تفحص المراقب اللائحة التي يحملها، ثم أوضح لها أن العربة 27 أُلغيت لأسباب تنظيمية، وأنه تم تخصيص مقعد بديل لها في العربة 21، ودون رقم المقعد الجديد على تذكرتها، لكن السيدة رفضت تغيير مكانها، مشيرة إلى أن لديها أمتعة ثقيلة، وأن الخطأ ليس خطأها، بل يعود إلى مشكل إداري لا علاقة لها به.
وقبل أن يواصل طريقه، حذرها المراقب من أن أصحاب المقاعد التي تجلس فيها قد يصلون في أية لحظة ويطالبون بحقهم، لكنها لم تأبه للتحذير، وردت باحتجاج مؤكدة أن الخطأ تتحمله إدارة السكك الحديدية، وأنها ليست مستعدة للتنقل مجددا بسبب ارتباك تنظيمي لا دخل لها فيه.
هذا المشهد لم يكن استثناء، فغالبا ما تتكرر مثل هذه المواقف داخل عربات القطار، حيث لا يلتزم بعض الركاب بالأماكن المحددة لهم، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خلافات حادة بينهم حول أحقية الجلوس، وسط معاناة المراقبين في فرض النظام الكامل داخل عربات مكتظة.
تابع المراقب جولته بصمت، مفضلا ألا يدخل في مزيد من الجدل، بعض المسافرين اكتفوا بمراقبة المشهد، وآخرون استأنفوا نومهم أو انشغلوا بهواتفهم، وكأن شيئا لم يحدث.

لسنا مواطنين من الدرجة الثانية
عند الوصول إلى فاس، بدت علامات التذمر جلية على وجوه الركاب، بعضهم عبر عن انزعاجه بالتجول في الممرات، يتنقل بين المقاعد بنفاد صبر، فيما فضل آخرون مغادرة العربة مؤقتا والخروج إلى الرصيف، هربا من الحرارة المفرطة واختناق الأجواء داخل القطار.
كانت الدقائق تمر ببطء، والكل يترقب استئناف الرحلة، في انتظار تغيير"رأس" القطار كي يواصل المسير نحو الدار البيضاء.
بين تنهيدات الإرهاق وهمهمات الامتعاض، تتردد شهادات متكررة لركاب باتوا يعرفون جيدا سيناريو هذه الرحلة، لكنهم لا يتوقفون عن التعبير عن سخطهم كل مرة، مؤكدين أن الأمر تجاوز حدود التأخير العابر ليصبح "صورة من صور التهميش " الذي يطال الجهة الشرقية.
حسن، الموظف المتقاعد القادم من تازة، لم يخف استياءه من التوقف الطويل في محطة فاس، قائلا لـ"تيلكيل عربي" "نعامل وكأن لا أحد يهتم بهذا الخط أو بركابه، التوقف في فاس أضحى جزءا من المعاناة المتواصلة، ولسنا نعرف لماذا هذا الإصرار على إطالة السفر."
أما خديجة، أستاذة تعليم ابتدائي تقطن بوجدة، فقالت بمرارة "نحن نعرف مسبقا أننا لن نصل في الوقت المحدد، وكأن التأخر هو القاعدة، أحيانا نكتفي بالصمت، وأحيانا نحتج بيننا، لكن لا أحد يسمع. هذا الخط لا يعامل بنفس أهمية الخطوط الأخرى، وهذا أمر غير مفهوم، هل لأننا من الشرق؟"
من جانبه، عبر مراد، طالب جامعي اعتاد التنقل بين وجدة والرباط، عن استيائه قائلا لـ"تيلكيل عربي" "كلما تحدثنا عن التنمية والعدالة المجالية، يأتي هذا القطار ليذكرنا بأن هناك مغربا مركزيا وآخر مهمشا، هل يعقل أن تبقى الجهة الشرقية بلا ربط سككي حديث؟ هذه القاطرات تعمل بالوقود، بطيئة و متعبة و لا تليق بمغاربة 2025."
وذهبت سمية، موظفة في قطاع الصحة، إلى أبعد من ذلك حين قالت بانفعال لـ"تيلكيل عربي" "الناس في طنجة والرباط يسافرون في قطارات سريعة ومكيفة مرتاحين، ونحن ما زلنا نحشر في عربات قديمة، في حرارة خانقة، مع تأخيرات مملة، نحن لسنا مواطنين من الدرجة الثانية."
تتعدد الشهادات، وتختلف النبرات، لكن الخلاصة واحدة وهي شعور الجماعي بالتجاهل، واحتجاج صامت على ما يراه ركاب الجهة الشرقية استمرارا لسياسات نقل تكرس الفوارق.
هذه المعاناة لم تظل حبيسة تذمر الركاب فقط، ولا حتى الأسئلة الكتابية التي وجهها النواب، بل انتقلت إلى قبة البرلمان عبر جلسات الأسئلة الشفوية، فظلت الردود الحكومية تدور في فلك المبررات التقنية والوعود المؤجلة، فوزير النقل واللوجستيك السابق محمد عبد الجليل كان قد ربط، في إحدى جلسات مجلس النواب، إنجاز مشروع كهربة الخط السككي بين فاس ووجدة بامتداد الخط الفائق السرعة نحو فاس، معتبرا أن عدم وجود هذا الامتداد يجعل من المشروع الحالي غير ذي جدوى اقتصادية.
أما الوزير الحالي عبد الصمد قيوح، ورغم إعلانه في دجنبر 2024 عن إطلاق مشروع استراتيجي لإحداث مصنع للقطارات وتطوير شبكة السكك الحديدية، فلم يرد في جوابه الإشارة إلى هذا المقطع.
وإزاء هذا الواقع، يطرح الركاب سؤالا جوهريا: ما جدوى السياسات العمومية إن لم تكن قادرة على إحداث التغيير الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية؟ وما جدوى الاستثمار في استراتيجيات كبرى، إذا كانت مناطق بأكملها لا تزال تنتظر تحديث وتطوير بنياتها التحتية؟
وإذا كانت الخطابات الرسمية تواصل الحديث عن مشاريع التحديث وعصرنة شبكة النقل السككي، فإن واقع الحال في الجهة الشرقية يثير تساؤلات حول مدى التزام السياسات العمومية بتحقيق العدالة المجالية وتلبية الحد الأدنى من تطلعات المواطنين.
فأن يستمر خط سككي رئيسي في العمل لأزيد من 110 سنة دون تحديث جوهري، وأن يظل التوقف بمحطة فاس وتغيير القاطرة جزءا من "الروتين اليومي"، لهو دليل على اختلال عميق في ترتيب الأولويات.
لقد تحولت هذه السكة إلى مرآة تجسد اختلال التوازن التنموي، وتعري محدودية الفعل السياسي حين يغيب القرار الحاسم، ويترك المواطن على سكة الانتظار، دون أفق واضح.