تبعات جائحة كورونا كوفيد 19 في الوسط الرياضي

تيل كيل عربي

خض عبد الرزاق العكاري، الأستاذ الباحث في المنظمات الرياضية، "تيل كيل عربي"، بهذا المقال عن الوسط الرياضي وجائجة كورونا: كيف تلقى خبر انتشار الوباء، وكيف تعامل معه، وهل أخذ ما يكفي من الاحتياطات لمواجهته؟ وما هي تأثيرات الجائحة اليوم على الوسط الرياضي؟ وهل سيستخلص العبر والدروس الضرورية من الأزمة التي خلفتها الجائحة؟

عبد الرزاق العكاري1

ضغوطات لتنظيم التظاهرات الرياضية

أسبوع قبل إعلان الحكومة المغربية عن تطبيق مقتضيات المرسوم المتعلق بفرض حالة الطوارئ الصحية بسبب جائحة كورونا فيروس كوفيد-19، مارست بعض التنظيمات الرياضية ضغوطات على وزير الرياضة، من أجل ثنيه واستثناء التظاهرات الرياضية الدولية المقيمة بالمغرب من قرار المنع .

 وقدمت تبريرات، في اعتقادها أو من خلال منظورها لتطور الأحداث تبدو منطقية، أولاها أن المغرب سيستضيف تظاهرات دولية مؤهلة للألعاب الأولمبية، وفيها فرص وحظوظ قوية لتأهل عدد كبير من المغاربة لهذا الملتقى العالمي الذي يحلم به كل رياضيي العالم.

ثانيها أن التراجع في آخر لحظة عن التنظيم سيوقع الجامعات الرياضية المغربية تحت طائلة غرامات زجرية ثقيلة من قبل الاتحاد الدولي للعبة. وآخرها أن الرياضيين يشكلون فئة معينة أو نخبة المجتمع لا يمكن لها بتاتا أن تصاب بهذا الفيروس القاتل والمتنقل ما داموا يخضعون وباستمرار لمراقبة صحية منتظمة، كما التزمت هذه التنظيمات الرياضية بتنظيم التظاهرات الدولية في قاعات بدون جمهور مع تشديد الإجراءات الوقائية الاحترازية.

 وآخر التبريرات المقدمة أن الجامعات الرياضية قد استثمرت أموالا طائلة وتعاقدت مع مؤسسات اقتصادية ، وهذا هو مربط الفرس، فإن إيقاف الحدث الرياضي سيشكل خسارة فادحة ، ومرات كانوا يرددون نفس الأسطوانة، التي تتضمن نوعا من التهديد، أي البعد الدولي أو ماجرى على تسميته بالدبلوماسية الموازية أي أن استضافة مثل هاته التظاهرات يخدم القضية الوطنية في مواجهة المتربصين وعلى وجه الخصوص الجزائر وجنوب إفريقيا اللتين تتحينان الفرصة لتعويض المغرب في حالة تنازله. رغم كل الضغوطات كان الرد صارما لا تنازلات أو استثناءات فيما يتعلق بصحة وسلامة المواطن.

معرفة ضبابية ومغلوطة عن جائحة كورونا في الوسط الرياضي

 

في اليوم الموالي لإعلان الحجر الصحي والتقليص من تنقل المواطنين ، استمرت بعض الجامعات في برمجة جموعها العامة سواء العادية أو الاستثنائية وحتى مقابلات البطولة الوطنية في اللعبة التي تشرف عليها كأن شيئا لم يقع وكان للسلطات المحلية أن تتدخل بقوة لتفعيل على أرض الواقع مقتضيات الدورية الوزارية المتعلقة برزنامة الإجراءات المتخذة ومن ضمنها إيقاف الأنشطة الرياضية.

لقد ظل الوسط الرياضي ولزمن طويل يعتقد بأنه بمنأى عن كل الأزمات والمشاكل التي يتخبط فيها العالم.  ألم تكن فلسفة بيير دو كوبرتان الأب الروحي المؤسس للحركة الأولمبية تنبني على اقتراح نموذج جديد للتواصل بين الشعوب في عالم يسوده السلم والأمان عوض الحروب والتطاحنات بفضل الرياضة؟.

 لكن ما سيغيب عن الوسط الرياضي أنه على غرار باقي مناحي الحياة، فالرياضة يمكن أن تكون عرضة لكل الآفات والكوارث والجوائح. والغريب في الأمر أن من بين التفسيرات المقدمة لتبرير الانتشار الواسع والفجائي لجائحة كورونا في كل من إيطاليا واسبانيا ، مقابلة في كرة القدم جمعت بين كل من أطلنطا بركام ونادي فلانس الاسباني في ملعب امتلأ عن آخره بما يفوق 45 ألف متفرج، هذا التكدس البشري شكل وفقا لتصريح مسؤول عن قسم الأوبئة بمستشفى مدينة  بركام " قنبلة بيولوجية"سرعت وثيرة انتشار الوباء بين كلا البلدين. إن قلة المعلومات وغياب البعد الاستباقي والاستهانة بمدى خطورة الجائحة وآثارها الوخيمة جعلت الوسط الرياضي لا يستوعب إلا متأخرا  الآثار والتبعات الوخيمة لجائحة كوفيد 19.

وخير مثال على ذلك أن اللجنة الأولمبية الدولية ظلت لمدة أسابيع تصدر البلاغ تلو الآخر المتسم بنفحة تفاؤل واطمئنان مؤكدة بأن كل الإجراءات الاحترازية سيتم اتخاذها بتنسيق وثيق مع المنظمة العالمية للصحة واليابان البلد المنظم، ومرات تلوح بصفة مبطنة بكون احتمال عدم تنظيم دورة طوكيو في يوليو 2020 سيشكل ضربة اقتصادية ومالية قوية بالنظر للاستثمارات الهامة التي تم القيام بها وبالنظر لالتزاماتها مع الشركات المتعاقدة والنائلة للصفقات المرتبطة بتنظيم الحدث العالمي.

لكن بعدما اتضح الاكتساح الفائق للسرعة لجائحة كورونا والتي لم تستثن أي بلد بما فيها اليابان، البلد المنظم ، وبعد قرار الانسحاب المتوالي للعديد من الدول ( كندا ، النرويج ، استراليا...)  والاتحاد الدولي لألعاب القوى ، اضطرت اللجنة الأولمبية الدولية للإذعان بتأجيل تاريخ إجراء الدورة إلى صيف 2021 لأول مرة  في تاريخ الألعاب الأولمبية ( ماعدا في دورات 1916/1940/1944  التي تزامنت والحربين العالميتين الأولى والثانية).

انهيار منظومة الرياضة العالمية

لقد جرت العادة بأن تشكل أشهر مارس وأبريل ومايو من كل سنة قمة دورة النشاط الرياضي بامتياز بالمغرب ، إذ لا يمر أسبوع دون احتضان تظاهرة رياضية دولية في مختلف الأنواع الرياضية، لدرجة تحول المغرب إلى قبلة لاستقطاب هاته التظاهرات، علما أن هذه الدينامكية في التنظيم الرياضي لها انعكاسات ايجابية على الحركة الاقتصادية والتجارية والسياحية فشركات كثيرة تنتعش وتتنفس وخصوصا تلك التي تعمل في المجال المحيط بالتظاهرة ( الفندقة، التنقل/ العتاد الرياضي/ التكنولوجيا الرياضية/ التواصل المؤسساتي...). لكن الحلول المفاجئ لجائحة كورونا أبرز الوجه الآخر والشاحب للممارسة الرياضية ، إذ توقفت وشلت بالتمام، وبدأ مسلسل السقوط التدريجي لمنظومة أبانت عن مدى هشاشتها فالقاعات الرياضية أقفلت، ووجد مالكوها صعوبات جمة في تسديد النفقات القارة ( كراء/ صيانة/ أجور المستخدمين...). كما أبانت أن الرياضة يمكن إدراجها ضمن خانة القطاعات غير المهيكلة ، فالعديد من الأطر الإدارية والتقنية العاملة ببعض الجامعات الرياضية غير منخرطة ولا مصرح بهم لدى مؤسسة الضمان الاجتماعي ولا يتوفرون على التغطية الصحية الإجبارية ومنهم من لا يتوفر حتى عل بطاقة "الرميد"، كما أن العديد من الأندية وخصوصا في كرة القدم ، والتي تعاقدت سواء مع اللاعبين أو المدربين بدأت تعيد النظر حاليا في العقود الممضاة  لكونها عاجزة كليا عن سداد الأقساط الشهرية وبادرت إلى تجميدها أو تقليصها وسحب الامتيازات الممنوحة للاعبين، لسبب بسيط هو توقف مصادر الدخل لهاته الأندية من محتضنين ومستشهرين مادامت هاته الشركات تعاني بدورها من أزمة خانقة ومن مداخيل الملاعب التي توقفت .

أية حلول للخروج من الأزمة؟

 في إطار إيجاد الحلول لمواجهة آثار ومخلفات جائحة كورونا ، سارعت جل الجامعات بالانخراط والمساهمة في الصندوق الوطني للتضامن الذي أحدث لهذه الغاية. والبعض منها قرر أن يحدث صندوقا خاصا به يتكفل بتدبير مخلفات الأزمة على النوع الرياضي الذي تشرف عليه. على غرار الجامعة الملكية المغربية للكولف أو جامعة المصارعة . ولكن بقي السؤال الذي يفرض نفسه بحدة ماهي الدروس المستخلصة وأي دور للسلطات العمومية وخصوصا الوصية على القطاع الرياضي لتجاوز الأزمة؟

حاليا، هناك نقاش جاد وحقيقي على المستوى العالمي لدرجة أن منصة التواصل العالمي sportanddevelppement.org المحترمة طرحت موضوعا حساسا للنقاش معنون ب" ألم يحن الوقت لإعادة النظر الجذرية في المهام المنوطة بالرياضة؟ .

 لقد أعطت جائحة كرونا درسا قيما للمتحكمين في المشهد الرياضي ، إذ اتضح في ظل الأزمات أنه لا يمكن بتاتا الحديث  عن الرياضة ذات المستوى العالي فالمواطن، وهو مجبر على الإقامة طوال النهار في منزله، يطالب أكثر بتطوير أفكار وطرق تمكن من الحد من تبعات عدم الحركية والنشاط الرياضي، وبالتالي لابد من تقديم حلول وإجابات من منظور الرياضة القاعدية أو الرياضة للجميع والتي للأسف الشديد لا تخصص لها السلطات الوصية ولا الحركة الرياضية الأولمبية إلا النزر القليل من ميزانيتها.

لقد تناست الحركة الرياضية والأولمبية قاعدة أساسية في الاقتصاد مفادها أن الرياضة تصنف في الخانة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة في سلم هرمية حاجيات المواطن. الرياضة ليست سوى حاجة عليا حسب الاقتصاديين ولا تستهلك كمادة حيوية وحساسة ولا تشكل كذلك خدمة أساسية لجل الأفراد، مما يعني أن هناك علاقة جدلية بين استهلاك الرياضة ومستوى معيشة الساكنة.

وبالتالي، فلابد من تقوية مجالات تدخل المنظمات الرياضية في المناحي ذات الارتباط والعلاقة الوطيدة بتنمية وتطوير المجتمع والمواطن، كما يجب على الدولة السهر على احترام هاته المنظمات الرياضية للشروط القانونية بضمان الحماية الاجتماعية للمستخدمين والعاملين في القطاع الرياضي  والسعي تدريجيا لهيكلته وفق أسس صحيحة وسليمة.

حتما العالم الرياضي منبهر بالأرقام الكبيرة المتداولة عن انتقالات اللاعبين وأجورهم الخيالية ومداخيل الاستشهار، ولكن في الغالب يتم التستر على أن هذه العملية لاتشمل بالكاد 1% ، أما الأغلبية الساحقة فتعاني في صمت رهيب بطالة وعطالة وتعيش فقط على أطلال ذكريات الماضي القريب. فهل سيستفيد الوسط الرياضي من الدروس القيمة لجائحة كورونا فيروس أم ، مباشرة بعد رفع الحجر الصحي، ستعود المنظمات الرياضية إلى عادتها السابقة كأن شيئا لم يقع؟

[1]أستاذ باحث في تدبير المنظمات