جرائم، عنف، وترحيل صامت… أزمة المختلين عقليا تنفجر في جهة بني ملال

خديجة عليموسى

في مشهد يثير القلق، تحولت جهة بني ملال ـ خنيفرة، خلال السنوات الأخيرة، إلى محطة استقرار لعدد متزايد من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية واختلالات عقلية، بعضهم وفد من خارج المنطقة، وأضحوا يتجولون بحرية وسط الأحياء والتجمعات السكانية.

هذه الظاهرة، التي وثقها مواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي في صور وفيديوهات صادمة، تكشف عمق العجز المؤسساتي في التعاطي مع ملف الصحة النفسية.

تصدير المضطربين نفسيا

هذا الواقع دفع عددا من الجمعيات الحقوقية إلى دق ناقوس الخطر، ومنها فرع المركز المغربي لحقوق الإنسان بدائرة بني موسى الغربية بإقليم لفقيه بنصالح، الذي راسل والي جهة بني ملال ـ خنيفرة بتاريخ 12 يونيو 2025، لتذكيره برسالة سابقة بعثها يوم 9 فبراير الماضي لطلب "التدخل العاجل والفعال لحماية المواطنين والمواطنات من الاعتداءات التي يتعرضون لها من طرف أشخاص يعانون من اضطرابات نفسية".

وسجل المركز  الارتفاع  الملحوظ في عدد المصابين بهذه الاضطرابات، إلى جانب عمليات تنقيل هذه الفئة من مدن كبرى نحو مدن صغيرة، مثل بني ملال والفقيه بن صالح وأزيلال، مما ضاعف من معاناة السكان ورفع منسوب التهديد للأمن العام.

وأضافت المراسلة أن الظاهرة لم تعد حالات استثنائية، بل تحولت إلى تهديد حقيقي لسلامة وأمن المواطنين، في ظل تجول هؤلاء المرضى بحرية بالشوارع والطرقات، وغياب رؤية واضحة لإيجاد حل جذري وفعال.

وطالب فرع المركز، في المراسلة نفسها، باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواطنين وفقا لمقتضيات الدستور، وتوفير خدمات علاجية مجانية تحفظ كرامة المرضى، والتصدي لعمليات "تصدير" المصابين بالاضطرابات النفسية من المدن الكبرى إلى المدن الصغرى، والتنسيق مع مختصين في الطب النفسي وعلم الاجتماع لتحديد أسباب الظاهرة واقتراح حلول عملية.

كما دعا إلى إدراج الصحة النفسية ضمن أولويات السياسات العمومية، وضمان حقوق هذه الفئة كما يكفلها دستور المملكة والمواثيق الدولية، إلى جانب وضع برنامج للتصدي لمروجي المخدرات باعتبارها من الأسباب الرئيسية للإصابة بهذه الاضطرابات

جرائم مروعة

وفي تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أكد محمد كرام، فرع المركز المغربي لحقوق الإنسان بدائرة بني موسى الغربية، أن الوضع "بات مقلقا"، مشيرا إلى أن الملاحظ ميدانيا هو تزايد هؤلاء الأشخاص وظهور حالات جديدة بشكل مستمر، بعضها لا تربطه أي علاقة بالمنطقة أو الجهة.

وأوضح أنه تم توجيه طلب، يوم 12 يونيو، إلى والي جهة بني ملال ـ خنيفرة من أجل طرح المشكل من جديد بعد رسالة أولى وجهت يوم 9 فبراير  الماضي.

وشدد على أن هؤلاء المرضى يشكلون خطرا على السكان، خاصة في ظل غياب مراكز إيواء أو برامج متابعة ميدانية، ما يتركهم يتجولون في الشوارع دون أي مراقبة أو رعاية.

واعتبر كرام  أن غياب التنسيق بين مختلف المتدخلين يزيد من تفاقم الوضع، مشيرا إلى أن الهيئة الحقوقية سبق أن نسقت مع أطراف أخرى على مستوى بني ملال وأزيلال في إطار بحث ميداني شامل هم الجهة بأكملها، وليس مدينة بعينها.

وبين أن هذا البحث الميداني أفرز معطيات دقيقة حول الظاهرة، إذ تم رصد أن بعض هؤلاء الأشخاص ليسوا من أبناء المنطقة، بل وفدوا إليها في السنتين الأخيرتين، ما يفسر عدم معرفة الساكنة المحلية لهم أو بتاريخهم المرضي.

وأضاف أن التحرك الحقوقي استند أيضا إلى شكايات المواطنين، بعضها يوثق حوادث مقلقة وخطيرة ارتكبها هؤلاء الأشخاص، مما جعل الهيئة ترفع نداءات بضرورة التعامل الجاد مع هذه الوضعية قبل أن تتطور إلى أحداث مأساوية.

وكشف  البحث الميداني، عن تسجيل ثلاث جرائم قتل مروعة خلال سنتي 2024 و2025 تورط فيها أشخاص يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية.

وأوضح المركز، في جزء من بحث ميداني حول الأثر المجتمعي لهذه الاضطرابات، أن أولى هذه الجرائم وقعت في 14 فبراير 2025 بجماعة أولاد عياد، حين أقدم شاب يعاني من اضطرابات نفسية على طعن رجل خمسيني حتى الموت، فيما أصيبت زوجته بجروح خطيرة.

وسبق هذه الحادثة، في 12 يناير 2024 بجماعة حد بوموسى (دوار أولاد زاير)، وفاة رجل ستيني إثر اعتداء عنيف من طرف شخص في حالة نفسية غير مستقرة. كما شهدت جماعة لكريفات في غشت 2024 جريمة قتل راح ضحيتها رجل يبلغ 54 عاما، بعد تعرضه لاعتداء من شاب يعاني من اضطرابات عقلية.

وأشار المصدر ذاته إلى أن الظاهرة لم تقتصر على القتل، بل شملت أعمال عنف واعتداءات خطيرة، منها حادثة اعتداء مختل عقليا على طفل بمدينة سوق السبت، في اليوم نفسه الذي شهد جريمة أولاد عياد، وحادث رشق سيارة امرأة بحجر كبير في مدينة بني ملال أدى إلى تحطم زجاجها الخلفي، إضافة إلى مشهد تجريد شخص نفسه من ملابسه علنا في سوق شعبي (قيسارية بني ملال) .

تحرك برلماني.. لكن إلى متى؟

في خضم تصاعد القلق المجتمعي إزاء الظاهرة، اختارت البرلمانية نبيلة منيب توجيه سؤال كتابي إلى وزير الداخلية، منددة بما وصفته بـ"ترحيل المشردين والمتسولين والمختلين عقليا" من مدن الشمال إلى مدن جهة بني ملال خنيفرة، وخاصة مدينة بني ملال".

وأبرزت منيب أن الظاهرة تفاقمت في الآونة الأخيرة، محذرة من "تهديدها لسلامة المواطنات والمواطنين، وما تسببه من نشر حالة من الرعب والاستياء وانعدام الأمن"، مشيرة إلى أن الأمر لم يقتصر على المواطنين، بل طال "بعض رجال الأمن الذين تعرضوا بدورهم لاعتداءات من طرف بعض المرضى العقليين".

وطالبت النائبة بالتدخل العاجل والفعال لـ"وضع حد لهذا التسيب الذي لا يليق ببلد كالمغرب، ويهدد الأمن والسلامة"، داعية، في إطار التنسيق بين القطاعات المعنية، إلى وضع خطة ناجعة تتضمن "إحداث مراكز للإيواء والتكفل بالعلاج بالنسبة للمختلين عقليا، تكون قريبة من مكان سكنى هؤلاء، لتسهيل زيارة أسرهم"..

غير أن هذه المبادرات البرلمانية، على أهميتها، غالبا ما تصطدم بواقع الأجوبة الحكومية المتكررة، وهو ما يعيد إنتاج دائرة النقاش نفسها، دون أن يلمس المواطن تغييرا فعليا على أرض الواقع

أرقام رسمية صادمة

في هذا السياق سبق لوزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، أن قدم جوابا عن سؤال كتابي في الموضوع تضمن أرقاما صادمة: 475 قضية مرتبطة بأفعال إجرامية ارتكبها مختلون عقليا سنة 2024 مقابل 246 قضية فقط سنة 2023، أي تضاعف العدد تقريبا في عام واحد، وإلى غاية ماي 2025، سجلت 254 قضية جديدة أسفرت عن توقيف 255 شخصا.

وأكد لفتيت أن هذه المعطيات تبرز حجم المجهودات المبذولة لمواجهة هذه الظاهرة، مبرزا أن تدخلات السلطات تتم بتنسيق مع قطاع الصحة والمصالح الأمنية والجماعات الترابية وأسر المرضى، في إطار مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.58.295 الصادر في 10 أبريل 1959 المتعلق بالوقاية من الأمراض العقلية ومعالجة المصابين بها.

وتابع الوزير أن السلطات المحلية بمختلف عمالات وأقاليم المملكة تعمل بشكل دوري على تنظيم حملات راجلة وثابتة، تستهدف الفضاءات التي يرتادها المواطنون والسياح، قصد إيقاف الأشخاص المصابين باضطرابات عقلية وإحالتهم على المؤسسات المختصة، تفاديا لأي تصرف عدواني قد يلحق أضرارا بالأشخاص أو الممتلكات.

وشدد وزير الداخلية على أن السلطات العمومية ستواصل تدخلاتها الوقائية والاستباقية، انسجاما مع التزاماتها في مجال الحفاظ على النظام العام وحماية الأشخاص والممتلكات، وضمان الإحاطة الصحية والوقائية بالمصابين بالأمراض العقلية.

أمام توالي الجرائم وحوادث الاعتداء، وتزايد أعداد المرضى النفسيين والعقليين الذين يتجولون بحرية في شوارع وأحياء جهة  بني ملال ـ خنيفرة دون رعاية أو إيواء، وبين تحذيرات الحقوقيين وضغط البرلمانيين واعتراف الحكومة بعمق الأزمة، تظل الظاهرة تتفاقم بلا حلول جذرية واضحة.

 ومع استمرار عمليات تنقيل بعض هؤلاء المرضى من مدن كبرى إلى الجهة، وما يشكله ذلك من عبء أمني واجتماعي على السكان، يطرح السؤال بإلحاح: هل تحولت بني ملال إلى "مستودع" أو محطة استقبال للمختلين عقليا، في مشهد أشبه بـ"بويا عمر" مفتوح دون حراس؟