جريمة "معاداة الإنسانية"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

الأكيد أن الأجيال القادمة سوف تحاكمنا جميعا عن اقتراف جريمة الصمت تجاه إبادة، لم تعد ترتكب بأسلحة الدمار وقصف المستشفيات ودك مؤسسات تعليمية تحولت إلى أماكن نزوح غير آمنة وحرق خيم، فقط، بل انتقلت إلى مستوى إعدام جماعي لحوالي مليوني إنسان بالتجويع وتعميم العطش.

طيلة الأسابيع الماضية، تحولت تقارير إعلان وفاة رضع وأطفال في غزة إلى ما يشبه الروتين اليومي عند البشرية لا غير.. أصبحت فقرة ضمن نشرات الأخبار، مثلها مثل نشرة أحوال الطقس. تحول الضحايا لمجرد أرقام، وكلما ارتفع العدد زادت ثقة المجرم في أنه من حقه حصد المزيد من الأرواح.

قبل يومين، نشر خبر مضحك أكثر من كونه محزنا في سياق ما نعيشه... "جامعة الدول العربية سوف تجتمع بشكل طارئ لمناقشة الأوضاع في غزة"... اجتمعوا وناقشوا وتداولوا... ثم ماذا بعد؟

مرة أخرى، تتمخض جبال الدول العربية لتلد ملايين الفئران.

اجتمع العرب ليستنجدوا بالمنتظم الدولي تتقدمه الولايات المتحدة الأمريكية... حمل بلاغهم نفس عبارات "نحن نستنكر.. وندين، ثم نطالب ونستغيث"، واقع يؤكد أنه إن كان أهل غزة يقتلهم القصف والجوع، فالحكام العرب يقتلهم الخوف أكثر.

في المقابل، عدد من الدول الغربية، بمختلف مؤسساتها، انتقلت، منذ مدة، إلى الفعل على أرض الواقع. منها من أصدرت محاكمها منع بيع الأسلحة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ومنها من أوقفت عديد أوجه التعاون الاقتصادي، وأخرى تدرس فرض عقوبات على شخصيات وكيانات إسرائيلية.

لنبدأ ببريطانيا... حكومة البلد قررت تعليق محادثات تجارية مع إسرائيل، وتجميد تراخيص تصدير الأسلحة، بل قررت فرض عقوبات على عدد من مستوطني الضفة الغربية، وتوعدت بالمزيد من الإجراءات إذا ما استمرت الأوضاع الإنسانية في التدهور.

أما ألمانيا، التي تعد من أول الداعمين لإسرائيل حول العالم، فتحرك في مسؤوليها بعض الوفاء للمبادئ الإنسانية، حين طرحت، مؤخرا، النقاش حول مراجعة اتفاقية تصدير الأسلحة لجيش الاحتلال.

أيضا، بادرت كل من بلجيكا والسويد وإسبانيا وكرواتيا وسلوفينيا بالضغط داخل الاتحاد الأوروبي من أجل فرض تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر المعابر البحرية.

أما دول كندا وفرنسا وأستراليا، فطرحت خيار فرض عقوبات على وزراء ومؤسسات وشركات إسرائيلية.

مواقف قوية من دول غربية نعم، لكنها لا تعني أي شيء عند إسرائيل مهما بلغت حدتها.

الكيان يعلم جيدا أنه حصن محيطه.

كيف؟

لأن من تهمهم، أولا، فلسطين ومعها غزة، أصبحوا خط الدفاع الأول عن الأصل التجاري لاقتراف الإبادة، ويسوق قبل غيره لـ (براند) "من يمس إسرائيل.. معادٍ للسامية".

"براند" جعل منه الاحتلال، منذ عقود، خلفية تقتل بها عشرات الآلاف من البشر أولهم الرضع والأطفال. تستهدف به المستشفيات والمدارس ودور العبادة، تحرق به الأخضر وتدك اليابس... "براند" عوضت به إسرائيل أفران الغاز بمسلاخ القتل بسلاح التجويع.

مع ذلك ورغم كل هذه المشاهد، لاتزال هناك ضمائر حية، أخرى تستيقظ... هناك واقع آخر يتشكل حول العالم أكيد، يترسخ يوما بعد آخر. واقع، كما قلت في مقدمة هذا المقال، سوف تحاكمنا به الأجيال القادمة، وهو جريمة "معاداة الإنسانية".