لم يكن مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، في دورته السادسة والعشرين، مجرد موعد موسيقي استقطب أكثر من 300 ألف زائر، بل تحول إلى فضاء عمومي مفتوح تلتقي فيه الموسيقى بالفكر، والتراث بالحوار، والهوية بالانفتاح. ففي الساحات وأزقة المدينة العتيقة، لم يكن الجمهور مجرد متفرج على العروض، بل شريكا في صناعة المشهد، حيث امتزجت إيقاعات كناوة بموسيقات قادمة من مختلف أنحاء العالم، في صورة تعكس روح مهرجان جعل من الثقافة تجربة مشتركة ومتاحة للجميع.
وإلى جانب هذا الزخم الفني، احتضن المهرجان الدورة الثالثة عشرة لمنتدى حقوق الإنسان، المنظم من طرف مجلس الجالية المغربية بالخارج بشراكة مع المؤسسة الأورو-متوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، تحت شعار "شباب العالم: حرية، هوية، مستقبل".
وفي هذا السياق، أجرى تيلكيل عربي حوارا مع إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج ورئيس المؤسسة الأورو-متوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، للحديث عن مكانة مهرجان كناوة في تكريس الحق في الثقافة، ودوره في صون التراث اللامادي، وتعزيز قيم التنوع الثقافي والتعايش باعتبارها من المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.
إلى أي حد يجسد مهرجان كناوة الحق في الثقافة باعتباره أحد الحقوق الأساسية التي تنص عليها المواثيق الدولية؟
هناك عدة خصوصيات تميز هذا المهرجان. أولها أنه أعاد الاعتبار لتراث كناوة، الذي كان في السابق مهمشا أو منبوذا نسبيا، وجعله يحظى باهتمام مختلف فئات الشعب المغربي. كما انفتح هذا التراث على أنماط موسيقية أخرى، من قبيل موسيقى الجاز، إضافة إلى موسيقى قادمة من دول مثل الهند، وهو ما أفرز هذا المزيج الثقافي المميز.
ومن جهة أخرى، يتميز المهرجان بقدرته على أن يكون متاحا لجميع فئات المجتمع المغربي. ومن أبرز ميزاته، في نظري، هذا الخليط المغربي-المغربي، إلى جانب الحضور الأجنبي. وهذه المكونات مجتمعة جعلت المهرجان يفعّل الحق في الثقافة، من خلال جعلها في متناول الجميع داخل المغرب، وفي الوقت نفسه تقريبها إلى العالم.
هل تعتبرون الحفاظ على التراث اللامادي، مثل كناوة، مسؤولية ثقافية أم حقا من حقوق الإنسان؟
بصراحة، هو الأمران معا. فهو، دون شك، حق من حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه مسؤولية تقع على عاتق السلطات العمومية وجميع الفاعلين المجتمعيين. والعجيب في هذا المهرجان أنه انطلق كمبادرة من المجتمع المدني، وهي مبادرة كانت ولا تزال تواجه العديد من الصعوبات، سواء على مستوى تعبئة الإمكانيات أو تنظيم هذا الحدث. لذلك فهو يجسد، في الآن نفسه، حقا ومسؤولية.
كيف يسهم مهرجان كناوة في ترسيخ قيم التنوع الثقافي والتعايش والانفتاح؟
أظن أن ذلك يظهر بوضوح من خلال ما يجري على المنصات، ومن خلال تنوع الحضور والقبول المتبادل بين فئات مختلفة. كما أعتقد أن المنتدى يضيف قيمة كبيرة في هذا الجانب، لأنه يشكل فضاء للنقاش الرصين والمتعدد، حيث يكون الفكر هو العنصر المهيمن داخل هذا الفضاء
هل يمكن اعتبار مهرجان كناوة نموذجا لاحترام وتعزيز التنوع الثقافي، الذي يعد أحد مبادئ حقوق الإنسان؟
هناك مهرجانات أخرى تجسد أيضا هذه الفلسفة القائمة على التنوع والمساهمة في تعزيزه. لكن ما يميز مهرجان كناوة تحديدا هو قدرته على التفاعل مع تراث مغربي أصيل، وإخراجه إلى الواجهة، وجعله في متناول العالم، وليس فقط في متناول المجتمع المغربي.