حوار.. خبير سياحي: الانخراط في شراكات مع فاعلين إسبان يمثل فرصة للاستفادة من رصيدهم المهني

خديجة قدوري

وضعت كبرى الشركات السياحية الإسبانية أنظارها على المغرب، فبعدما كانت سلاسل الفنادق، مثل «بارسيلو» و«هوتوسا»، من أوائل من استشعروا إمكانات البلد الجار، دخلت اليوم شركات التوزيع السياحي الكبرى على الخط، لتراهن بدورها على المملكة. وفي هذا السياق، أعلنت وكالة الأسفار الإسبانية «IAG7 Viajes» عن دخولها في رأسمال وكالة السفر المغربية المستقلة «Caddy Voyages»، المتخصصة في رحلات الترفيه ورحلات الأعمال.

وأفادت الشركة، في بلاغ لها، أن هذه العملية تشكل انطلاقة لتحالف استراتيجي طويل الأمد، يهدف إلى إنشاء منصة مرجعية في مجال السفر تربط بين أوروبا وإفريقيا، مع مواكبة الزبناء عبر عدد متزايد من المناطق الجغرافية.

وفي هذا السياق، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع الزوبير بوحوت، الخبير السياحي، الذي أكد أن هذه التحالفات تفتح آفاقا جديدة لتطوير السياحة الترفيهية بالمغرب عبر إدماج المنتوجات المغربية في برامج سياحية منظمة، وعروض مشتركة تصل إلى قاعدة أوسع من السياح الأوروبيين.

كيف تشكل الشراكات مع وكالات السفر الإسبانية فرصة تنموية للمغرب؟

الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكات تكمن في المكانة الاستثنائية التي تحتلها إسبانيا في الاقتصاد السياحي العالمي. فباستقبالها لنحو 100 مليون سائح دولي سنوياً وتحقيقها أكثر من 135 مليار يورو من العائدات السياحية، راكمت إسبانيا خبرة واسعة في هيكلة العرض السياحي، والتسويق الدولي، وتدبير تدفقات السياح. وبالنسبة للمغرب، فإن الانخراط في شراكات مع فاعلين إسبان ذوي خبرة يمثل فرصة حقيقية للاستفادة من هذا الرصيد المهني.

وتسمح هذه التحالفات، في مرحلة أولى، بتعزيز تدفق السياح الإسبان نحو المغرب بشكل طبيعي. فالقرب الجغرافي، وتكامل المنتوج السياحي، ونضج السوق الإسبانية، كلها عوامل تهيئ ظروفاً ملائمة لتموقع المغرب كوجهة سياحية قريبة، مختلفة وتنافسية. غير أن الرهان لا يقتصر على السوق الإسبانية فقط، إذ إن وكالات السفر الإسبانية تتوفر على شبكات توزيع قوية في أسواق أوروبية ودولية أخرى، ما يفتح المجال أمام إدراج المنتوج المغربي ضمن عروض موجهة لشرائح أوسع من السياح.

ومن جهة أخرى، تشكل هذه الشراكات كذلك فرصة للوكالات الإسبانية نفسها، إذ يتيح لها إدماج المغرب في وجهاتها السياحية لتنويع عروضها وتعزيز جاذبيتها من خلال وجهة ذات قيمة ثقافية وطبيعية وتجريبية عالية. وبهذا، تتحول الشراكة إلى نموذج رابح للطرفين، يقوم على تكامل قوة التوزيع الإسبانية مع الخبرة الميدانية والمعرفة المحلية للوكالات المغربية.

إلى أي حد يمكن لهذه الشراكات أن تعزز السياحة الترفيهية وسياحة الأعمال في المغرب؟

تفتح هذه التحالفات آفاقاً جديدة لتطوير السياحة الترفيهية بالمغرب، من خلال تعزيز حضوره في الأسواق الدولية. فبفضل قنوات التوزيع الإسبانية، يمكن إدماج المنتوجات السياحية المغربية ضمن برامج سياحية منظمة، ورحلات موضوعاتية، وعروض مشتركة، ما يسمح بالوصول إلى قاعدة أوسع وأكثر تنوعاً من السياح الأوروبيين. وبهذا، لم يعد المغرب يُعرض كوجهة بديلة فقط، بل كمنتوج سياحي متكامل ومهيكل ضمن "كتالوجات" معترف بها دولياً.

أما على مستوى سياحة الأعمال والمؤتمرات، فإن الأثر المحتمل لهذه الشراكات لا يقل أهمية. فالوكالات الإسبانية راكمت خبرة كبيرة في تنظيم المؤتمرات، والملتقيات المهنية، والرحلات التحفيزية، وهو ما يمكن أن يدعم تموقع المغرب كوجهة مؤهلة لاستضافة الفعاليات الدولية. ويعتمد ذلك على استثمار البنيات التحتية المتوفرة، إلى جانب اعتماد معايير تنظيمية أكثر احترافية تتماشى مع متطلبات الزبناء الدوليين.

إلى جانب ذلك، تسهم هذه الشراكات في الرفع من المستوى العام للقطاع السياحي. فانتقال الخبرات في مجالات التسيير، والرقمنة، والتسويق، والحضور في المعارض والصالونات الدولية، يساعد الوكالات المغربية على تعزيز تنافسيتها. وعلى المدى المتوسط، ينعكس ذلك إيجاباً على هيكلة العرض السياحي الوطني وتحسين جودة الخدمات المقدمة، سواء في السياحة الترفيهية أو في سياحة الأعمال.

كيف يمكن الحفاظ على الهوية المحلية وخصوصية العرض السياحي المغربي في هذا السياق؟

تظل مسألة الهوية في صلب هذه الشراكات، غير أن الانخراط في تحالفات استراتيجية لا يعني بالضرورة فقدان الخصوصية. فطالما حافظت الوكالات المغربية على استقلاليتها ودورها المحوري في تصميم المنتوجات السياحية، يمكن صون الطابع الأصيل للعرض السياحي. بل إن الخبرة المحلية تشكل في حد ذاتها قيمة مضافة أساسية، لأنها تضمن تجارب سياحية متجذرة في الثقافة والتقاليد والمجالات الترابية المغربية.

ويبرز الخطر فقط في حال أدت هذه الشراكات إلى توحيد مفرط للمنتوجات السياحية، تفرضه اعتبارات الحجم أو الربحية السريعة، على حساب التنوع والتميز. لذلك، من الضروري أن تقوم هذه التحالفات على منطق البناء المشترك، حيث تظل القيمة المغربية من كرم الضيافة، والتنوع الثقافي، وخصوصية التجربة في صلب العرض المقدم للسائح.

وأخيراً، إذا ما تم تأطير هذه التجارب بشكل سليم، فإن الشراكات الأولى مرشحة لإحداث أثر مضاعف، يشجع وكالات إسبانية أخرى على البحث عن تحالفات مماثلة مع فاعلين مغاربة. فالنمو المتسارع الذي يعرفه القطاع السياحي بالمغرب، إلى جانب الآفاق الواعدة التي تنتظره، يجعل من المملكة شريكاً جذاباً. وفي هذا الإطار، لا يقتصر التحدي على الحفاظ على الهوية، بل يتعداه إلى تعزيز إشعاعها على الساحة السياحية الدولية.