في ظل تحولات مناخية أصبحت تشكل تحديا حقيقيا للأمن المائي والغذائي، يعاني المغرب منذ أزيد من سبع سنوات من فترات جفاف متكررة. ويشهد الموسم الحالي نقصا واضحا في التساقطات المطرية، ما أدى إلى تأخير انطلاق الأنشطة الزراعية.
ومن جهته، أشار موقع "الماديالنا" إلى أن الحكومة المغربية جعلت من تحلية المياه محورًا أساسيًا في سياستها المائية، بهدف مواجهة فترات الجفاف الطويلة، وتراجع الفرشات المائية، وارتفاع الطلب على الماء من طرف الساكنة الحضرية والفلاحية.
ولفت الانتباه إلى أن المغرب يشهد توسعًا كبيرًا في سوق تحلية المياه، إذ يتوقع أن يرتفع حجم هذا السوق من 400 مليون دولار سنة 2024 إلى 850 مليون دولار سنة 2033، أي بزيادة تصل إلى 112 في المائة، وبمعدل نمو سنوي يقدر بـ8,74 في المائة بين عامي 2025 و2033، حسب تقرير صادر عن مكتب الدراسات الدولي «Renub Research».
في هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع جواد خراز، رئيس شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، والمدير التنفيذي السابق للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة بالقاهرة، ومدير الأبحاث السابق في مركز الشرق الأوسط لأبحاث تحلية المياه في سلطنة عمان.
يشهد المغرب موجات جفاف متكررة، هل كان على الحكومة اعتماد سياسات فلاحية ومائية تتكيف مع الواقع المناخي الحالي؟
كان يجب على الحكومة العمل باستباقية في تبني سياسات تتكيف مع الواقع المناخي الجديد، لكن بطبيعة الحال، ولكي نكون منصفين، الأمر لا يتعلق فقط بالحكومة الحالية، فالسياسات المائية التي تأخذ بعين الاعتبار المعطى المناخي تحتاج إلى سنوات عديدة، إن لم أقل عقودا، من التخطيط والاستباقية من خلال دراسة السيناريوهات المختلفة.
الآن، بعد سبع سنوات من الجفاف أصبح لدينا وضع يتميز بتراجع التساقطات بنسبة 23 في المائة مقارنة بالمعدل التاريخي، وارتفاع درجات الحرارة بمعدل درجتين مئويتين، منذ بداية القرن.
وأرى أن مخطط المغرب الأخضر 2008-2022، كان آنذاك خطوة جريئة نحو تعزيز الإنتاجية، لكنه ركز بشكل كبير على الزراعة التصديرية كثيفة الاستهلاك للماء، مثل "الأفوكادو" والبطيخ الأحمر ومحاصيل من هذا القبيل، ما أدى إلى تصدير ما يسمى بالمياه الافتراضية، وزيادة الضغط على الفرشات المائية واستنزافها.
ومع ذلك، أعتقد أن استراتيجية الجيل الأخضر تمثل تقدما حقيقيا بتركيزها على الاستدامة من خلال توسيع الري بالتنقيط إلى مليون هكتار إضافي وبرامج لتحلية المياه، وكان من الواجب تسريع هذه الإجراءات منذ "كوب 22" التي احتضنتها بلادنا في مراكش.
نتحدث عن نسبة ملء السدود التي تقف عند 32 في المائة فقط، لذا نحتاج إلى مراجعة فورية للنموذج الفلاحي المغربي ليكون أكثر عدالة وصمودا مع دعم صغار الفلاحين الذي يعانون أكثر من الفئات الأخرى، طبعا هذا ليس انتقادا في حد ذاته بل دعوة لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لمواجهة هذا الجفاف الذي صار هيكليا.
ما هي الانعكاسات المحتملة لتأخر وندرة التساقطات المطرية على الإنتاج الفلاحي والأمن الغذائي خلال الموسم الجاري؟
تأخر التساقطات هذا الموسم بلغ عجزا يصل إلى 70 في المائة في بعض المناطق حتى هذا الشهر، ما يهدد بموسم فلاحي صعب على الفلاحين وعلى الجميع، وهذا امتداد لسبع سنوات من الجفاف، وأرى أن الإنتاج الفلاحي قد ينخفض بنسبة 30 إلى 40 في المائة في ما يخص الحبوب البورية "القمح والشعير" التي تشكل 70 في المائة من المساحات المزروعة مما يقلل الإنتاج إلى أقل من 70 مليون قنطار على الأمن الغذائي، وبالنسبة لهذا الأخير فذلك يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد، مثل القمح من فرنسا وأوكرانيا وغيرها، وهذا يعني ارتفاع الأسعار بنسبة 20 إلى 30 بالمائة، وهناك كذلك إمكانية تهديد الثروة الحيوانية وانخفاض القطيع بنسبة 38 في المائة منذ 2016.
صغار الفلاحين هم الأكثر تضررا في هذه المعادلة وقد يؤدي ذلك إلى هجرة قروية متزايدة، وفقدان فرص عمل بنسبة 40 في المائة بالنسبة للسكان الذين يعتمدون على الفلاحة، لكن يجب التذكير بأن الأمطار المتأخرة في مارس وأبريل الماضيين أنقذت جزءا من الموسم السابق، مما يذكرنا بأن التكيف السريع مثل دعم الأعلاف والبذور المقاومة للجفاف وغيرها يمكن أن تخفف الخسائر، وفي النهاية هذا يدفعنا نحو نموذج أكثر استدامة لضمان استدامة غذائية حقيقية.
إلى أي حد يمكن أن تساهم التقنيات الحديثة وتدبير الموارد المائية بشكل مستدام في الحد من آثار التغيرات المناخية على القطاع الفلاحي؟
يمكن أن تساهم بشكل كبير جدا، بشرط أن يتم تسريع التنفيذ، وأؤكد أن التقنيات الحديثة يمكنها أن تخفض استهلاك الماء بنسبة 50 بالمائة، بحيث يمكن أن تساعد على ترشيد المياه في القطاع الفلاحي الذي يستهلك تقريبا 88 في المائة من الموارد المائية، وكذلك استخدام الري بالتنقيط والري الذكي مع حساسات ومستشعرات والطائرات بدون طيار.
وقد أثبت ذلك نجاحه في بعض المناطق مثل سوس ماسة، حيث تم توفير 40 في المائة من الماء وزيادة الإنتاجية بنسبة 20 في المائة، ويمكن كذلك الاعتماد على تحلية المياه بالطاقات المتجددة مثلما هو الشأن بمحطة الدارالبيضاء التي توجد قيد الإنشاء، وهنا نتحدث عن 300 مليون متر مكعب سنويا بحلول سنة 2026 ستؤمن مياه الري والشرب مع مشاريع إعادة استعمال المياه المعالجة في بعض المناطق.
ثالثا، الزراعة الدقيقة والأصداف المقاومة للجفاف، مثل تلك المطورة في معاهد دولية، بالنسبة للجيل الأخضر هناك هدف تحلية 1.4 مليار متر مكعب بحلول سنة 2030، إضافة إلى الطريق السيار المائي لنقل المياه من الشمال نحو الجنوب، هذه الحلول ليست نظرية، بل نجحت في دول أخرى ويمكن للمغرب قيادتها إقليميا.
بالنسبة للتحديات المتعلقة بالتمويل والتكوين والشراكات الدولية، مثلا الصندوق الأخضر للمناخ وغيره من الهيئات الدولية، فهو كفيل بمساعدتنا على الحصول على مثل هذه التمويلات، لتحويل الجفاف إلى فرصة لفلاحة خضراء ومستدامة.