درهم الغضب.. زيادات مفاجئة تفجر سخط ركاب "طرام" وحافلات الرباط

خديجة عليموسى

تتواصل موجات الغلاء التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، لتطال هذه المرة وسيلتين من أكثر وسائل النقل استخداما في مدن الرباط وسلا وتمارة،  الطرامواي والحافلات.

منذ الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء، ساد سخط واسع وتذمر عارم داخل مقصورات الطرامواي الرابط بين سلا والرباط، بعدما تفاجأ الركاب بزيادة مفاجئة في ثمن التذكرة، التي ارتفعت من 6 دراهم إلى 7 دراهم.

قرار الزيادة الذي وصفه كثيرون بـ"الصادم" أثار موجة من الغضب في صفوف مستعملي الطرام، خاصة الفئات الهشة التي تعتمد عليه يوميا للتنقل إلى مقرات العمل والدراسة.

داخل المقصورة، سألت سيدة مسنة  شابا يجلس إلى جانبها عن سبب الزيادة ومتى تقررت؟  فما كان منه إلا أن رد قائلا "لقد تم الإعلان عن هذا القرار مسبقا"، لتجيبه بنبرة ممزوجة بالأسى "أنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة، فكيف لي أن أعلم بذلك؟"

كلماتها لامست مشاعر الركاب الذين شهدوا الموقف، معبرين بدورهم عن استنكارهم لغياب التواصل المباشر والواضح مع فئات واسعة من المستعملين، خصوصا أولئك الذين لا يستطيعون متابعة الإعلانات الرقمية أو المنشورات المكتوبة.

وفي خضم النقاش، علق شاب مازحا بنبرة ساخرة: "خاصهم يديرو الزيادة حتى فالثمن ديال الهواء اللي كنشموه فالطرام"، وهو التعليق الذي قوبل بابتسامات من بعض الركاب، رغم ما يحمله من مرارة وسخرية لاذعة تعكس حجم الاستياء العام من هذه الزيادة غير المتوقعة.

ورغم أن الركاب استمروا في أداء التذكرة بالسعر الجديد، إلا أن ملامح الامتعاض كانت بادية على الجميع، وتحولت العربات إلى فضاءات للنقاش حول ما وصفوه بـ"انعدام العدالة الاجتماعية" و"إدارة المرفق العمومي بمنطق ربحي على حساب كرامة الناس".

الحافلات أيضا

الزيادة في ثمن تذكرة الطرامواي واكبتها زيادة في ثمن تذكرة الحافلات ضمن وسائل النقل الحضري بمدينة سلا، ولا سيما رفع تسعيرة الحافلات من 5 إلى 6.5 و5.5 دراهم حسب نوع الخط، ما أثار موجة من الانتقادات في أوساط فئات عريضة من المواطنين، الذين عبروا عن استيائهم من قرارات وصفوها بـ"غير المنصفة" و"البعيدة عن واقع الأسر محدودة الدخل".

واعتبر كثير من الركاب، في تصريحات لـ"تيلكيل عربي"، أن هذه الزيادات تم اعتمادها بشكل مفاجئ، دون حملة تواصلية سابقة، ودون أن تصاحبها إجراءات تخفيفية أو تدريجية، ما جعلها عبئا إضافياً يثقل كاهل الفئات الهشة.

وفي هذا السياق، يقول عبد الرحيم: "التنقل اليومي بات يستنزف قسطا كبيرا من أجرتي، لم تعد هناك وسيلة نقل في المتناول، والحافلة التي كانت الأرخص زاد ثمنها دون مبرر واضح".

أما حليمة، وهي أرملة تعمل خادمة في البيوت، فتضيف: "كنت أفضل الحافلة لأن تسعيرتها أقل بدرهم من الطرام، أما اليوم فلم يعد الفرق يتجاوز خمسين سنتيما، هذه الزيادات لا تراعي ظروفنا".

أين الدولة الاجتماعية؟

أما مصطفى، مستخدم بمخبزة بمدينة الرباط، فقال إن "الحديث عن الدولة الاجتماعية يفقد معناه حين تقرر الجهات المعنية زيادات في أسعار النقل دون مراعاة لواقع الأسر الفقيرة والطبقة العاملة".

وأضاف بنبرة متحسرة: "أنا أتنقل يوميا في الحافلة وسأصرف 13 درهما في اليوم، هذه الزيادة التي قد تبدو بسيطة للبعض، ترهق جيوبنا نحن الذين نشتغل مقابل 80 أو 90 درهما في اليوم".

وتابع قائلا "عندما يتم الحديث عن الدولة الاجتماعية، نفهم أن المقصود هو الدعم، وتخفيف العبء، وتوفير النقل العمومي بأسعار مناسبة، وليس رفعها دون سابق إنذار. للأسف، القرارات لا تراعي أوضاعنا".

وانتقد مواطنون إدارة قطاع النقل بمنطق ربحي محض، لا يراعي القدرة الشرائية للمواطنين، لا سيما في ظل موجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويطالب كثيرون بتدخل السلطات المعنية لإعادة النظر في هذه الزيادات، معبرين عن مخاوفهم من أن تمتد "عدوى الزيادات" إلى وسائل نقل أخرى، خصوصا سيارات الأجرة الكبيرة، التي يعتمد عليها عدد كبير من السكان في تنقلاتهم اليومية بين الرباط وسلا وتمارة والضواحي.

وأكد بعضهم أن أي زيادة محتملة في تسعيرة "الطاكسيات" ستفاقم من أعباء التنقل، خاصة بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود التي تجد نفسها محاصرة بين ارتفاع أسعار النقل العمومي وتكاليف المعيشة اليومية.

مواقع التواصل تشتعل غضبا

لم يقتصر التذمر من الزيادة المفاجئة في ثمن تذكرة الطرامواي على فضاءات التنقل داخل العربات والمحطات، بل امتد ليشعل موجة من السخط على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر العديد من المواطنين عن استيائهم مما اعتبروه استهدافا مباشرا لقدرتهم الشرائية، من خلال قرارات أحادية الجانب لا تضع في الاعتبار السياق الاجتماعي والاقتصادي الراهن.

وقد عجت المنصات الرقمية، خصوصاً "فيسبوك" و"إكس"، بتدوينات غلبت عليها نبرة السخرية والمرارة، فقد قال أحد المعلقين على مواقع التواصل الاجتماعي، ساخرا: "الزيادة في تذكرة الطرام ربما نتيجة مباشرة للأزمة الإيرانية الإسرائيلية وضرب منشأة فوردو النووية!"، في إحالة تهكمية على ما اعتبره البعض عادة متكررة في ربط القرارات الوطنية بالأحداث الدولية الكبرى، دون تقديم مبررات واقعية تتماشى مع السياق الداخلي.

وقد جاءت هذه التدوينة ضمن موجة من التعليقات التي عبر من خلالها المواطنون عن امتعاضهم من هذه الزيادة التي وصفوها بغير المفهومة، مشيرين إلى أن كل أزمة خارجية أصبحت تستثمر لتبرير ارتفاع الأسعار، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا تراعي ظروفه المعيشية المتدهورة.