كان الركام يغطي المكان بأكمله، أكوام من الحجارة والإسمنت تمتد على مرمى البصر، فيما كانت الآلات الثقيلة تشتغل بلا توقف تزيح ما تبقى من منازل سحقت تحتها حيوات كاملة، وصور وأصوات لم يعد لها أثر.
وفي أطراف المشهد، كان أطفال ويافعون يتحركون بخفة بين أكوام الركام، بأقدامهم الحافية أحيانا فوق الحجارة الحادة، وأيديهم الصغيرة تنبش وسط الأنقاض بحثا عما يمكن بيعه، يتلهفون على قطع من الحديد أو بقايا أشياء يعدونها ثمينة، يرفعونها بفخر واضح، وتعلو وجوههم ابتسامة خاطفة كلما نجحوا في استخراج غنيمة جديدة، فرحة سريعة لا تشبه طفولتهم بقدر ما تعكس قسوة الحاجة، إذ إن تلك القطع قد تتحول لاحقا إلى نقد بسيط يضمن لهم بعض ما حرموا منه.

صمت الركام وآلام الملاك
في مواجهة هذا المشهد، وقف سعيد صامتا، يحدق طويلا في الأنقاض، عيناه مثقلتان بوجع ظاهر، كان الفقد أكبر من أن يعبر عنه، وكأن الألم وحده هو ما بقي شاهدا.
إنها "فاجعة".. قالها سعيد البكار بصوت خافت، وهو لا يزال مسمرا في مكانه، يحدق في الركام كمن يحاول استيعاب ما يرى. فجأة أدار وجهه، وأشار بيده المرتجفة نحو كومة من الأنقاض، قائلا: هنا كان لدي "Cyber" لقد تم هدمه. صمت لثوان، شحوب وجهه كان أبلغ من كلماته، قبل أن يسترسل بصوت مثقل "لم يحدثني أحد بشأن التعويض"، توقف مجددا وكأن الكلمات خانته، قبل أن يضيف بنبرة يختلط فيها الخوف بالعجز "ولم يتبق سوى القليل ليقوموا بهدم بيتي أيضا.. هذا منزلي الذي ولدت فيه، أملكه أنا وإخوتي عن والدنا".

يتكون المنزل من ثلاثة طوابق، يقيم سعيد في الطابق الأرضي، كل زاوية تحمل ذكريات مضت، كان البيت أشبه بمتحف صغير للزمن القديم، صور والده معلقة على الجدران، وأشياء متفرقة من أيام خلت موزعة بعناية على الرفوف، تروي قصص حياة عاشتها الأسرة كلها.
قال سعيد وعيناه تحملان حزنا وغضبا "المشكلة تكمن في أن هناك أشخاصا لا يملكون طعام يوم... فكيف لهم أن يتوجهوا إلى البنك من أجل اقتراض مبلغ 10 ملايين؟"، ثم أضاف بصوت يختلط فيه الإحباط بالعجز، الحل الأنسب أن يخرج كل مالك من منزله ويعوض في مكان آخر دون أي تسبيق مالي". وبعد أن أدار ظهره وابتعد، قال سعيد وهو مطأطأ الرأس "عطيونا نسكنوا فابور أو بنيو لي بغيتو".
وفي السياق ذاته، قالت كريمة بصوت يائس وكأن الكلمات تكاد تختنق في حلقها "الحظ سيكون حليف المستأجر وليس لمن يملك بيتا، أي تعويض يقدم يكون لصالحه، بينما صاحب الملكية هو المتضرر الحقيقي"، بعد حديثها كان من الصعب تجاهل ملامحها، كريمة في الأربعينات من عمرها، لكن الزمن بدا وكأنه ترك أثره عليها بشكل مبكر، وجهها يحمل تجاعيد دقيقة تخبر عن سنوات من المعاناة، وعيناها تحملان ثقل الحزن والقلق، شعرها المتفرق ونبرتها المتعبة يجعلانها تبدو أكبر من عمرها الحقيقي.

معادلة البقاء وسط الركام
وهي تحاول أن تجد طريقا يسمح لها بالمرور وسط الركام والدمار، توقفت السعدية رماني، امرأة في الستينات من عمرها، وجهها حفرته التجاعيد التي تحكي سنوات من المعاناة، ويداها متشابكتان تعكسان الحذر والتوتر، خطواتها البطيئة وسط الحطام، ونظرتها المتعبة كانت تعكس هشاشة المكان وقسوة الدمار الذي يحيط بها من كل جانب.
قالت السعدية، بصوت يملؤه الحنين والحزن "هناك من يملك منازل كبيرة وجميلة في أماكن واسعة، لكن هناك فئة أخرى لا تملك سوى بيوت مستأجرة مع الجيران، يشتركون في كل شيء والظروف صعبة". وأضافت بنبرة تتسم بالواقعية والاشتياق إلى حياة أفضل "يفضل هؤلاء أن يحصلوا على شقة جميلة ومساحة كافية، لأن العيش هنا صعب قليلا". كلماتها رسمت صورة حية للفوارق الاجتماعية، حيث يقف الناس وسط الركام والدمار، يحلمون بما قد يجعل حياتهم أكثر كرامة وأمانا.
واسترسلت السعدية وهي تحاول تفسير الوضع "الأغلبية هنا مستأجرون، سيمنحون الشقة مقابل 10 ملايين يجب أن نقدمها، ومن يملك المبلغ سيقدمه، ومن لا يملكه سيستفيد من قرض من البنك بتسهيلات من خلال اقتطاعات بسيطة كل شهر ". وأضافت بصوت هادئ يختلط فيه القليل من الرضا بالواقعية: صراحة نعم راضيين".
وتابعت السعدية محاولة تسليط الضوء على جوانب التعويض الإيجابية: النقطة الإيجابية تكمن في أنه بحد ذاته مركزي، فنحن قريبون من كل شيء"، وأضافت بنبرة واقعية تعكس الطموح الشخصي للبعض، "هناك من يريد هذا التعويض ليذهب إلى مكان آخر، يقتني شقة تناسبه في موقع يختاره بنفسه".
كلماتها رسمت صورة حية للتباين بين من يعيشون وسط الركام والدمار، ورغبة آخرين في استغلال التعويض لتحقيق حياة أفضل وفق اختيارهم الشخصي.
10 ملايين.. تفصل بين السكن والانتظار
وفي خلفية هذا المشهد المثقل بالركام والقصص الإنسانية، شرعت السلطات المحلية بمدينة الدارالبيضاء في هدم المنازل الآيلة للسقوط، وإزالة الأحياء العشوائية، في إطار التحضيرات الجارية لاستكمال مشروع المحج الملكي الذي يعد من أقدم المشاريع الملكية الكبرى المتعثرة منذ انطلاقه في عام 1989.

عملية الهدم التي تنفذ باسم السلامة وإعادة التأهيل تحولت على الأرض إلى واقع يومي يعيشه السكان بين الخوف من الفقد وانتظار مصير تعويضات ماتزال تفاصيلها غامضة، حيث تأتي الجرافات على ذكريات البيوت وحياة كاملة كانت قائمة في الأزقة.
وكانت كنزة الشرايبي، رئيسة مقاطعة سيدي بليوط، والمسؤولة عن المشروع كشفت لـ"تيلكيل عربي" أن السكان سيستفيدون من تعويض نقدي، إذ سيمنح لهم حق الاختيار بين الحصول على شقة مع أداء مبلغ مالي يكمل ثمنها، أو تسلم تعويض نقدي عبر شيك يعادل قيمة الشقة".
وفي ما يخص الفئات التي لا تسمح أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية بتوفير تسبيق 10 ملايين سنتيم، قالت الشرايبي إن هناك مؤسسات بنكية تواكب الأشخاص الذين ليست لديهم القدرة على أداء الثمن، أو الذين لا يتوفرون على دخل قار، حيث يمكنهم الاستفادة من مبالغ تصل إلى 100 ألف درهم على شكل قرض، وتندرج هذه المؤسسات ضمن عملية منح القروض في إطار السكن لفائدة المواطنين المستفيدين من هذا المشروع".
وعن المواطنين الذين طالهم قرار الهدم نظرا لأن منازلهم آيلة للسقوط، أفادت الشرايبي أنه تم إدراج أسمائهم انطلاقا من إحصاء 2012 في برنامج للاستفادة من شقق تضعها الدولة لإيوائهم. وشرط الاستفادة من هذه الشقق يتمثل في دفع المستفيد مبلغ 100 ألف درهم.
الدارالبيضاء تراهن على 50 هكتارا لإحياء قلبها التاريخي
في شتنبر 2025، صادق المجلس الجماعي، خلال دورة استثنائية، على اتفاقية شراكة بمبلغ 2 مليار درهم لإخراج مشروع يديره مجلس الدارالبيضاء وSDL Casablanca Iskane Equipement، ويهدف إلى إنشاء أكبر ممشى في إفريقيا على مساحة 50 هكتارا، لإعادة المدينة القديمة إلى دورها السياحي والثقافي.
هذا ما أكده مولاي أحمد أفيلال، نائب رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، مضيفا أن الاتفاقية ستكون بين مجلس مدينة الدار البيضاء والشركة الوطنية للتهيئة الجماعية sonadac، وصندوق الإيداع والتدبير، و "كازا للإسكان والتجهيز".
وبشأن تمويل هذا المشروع وتأثيره على ميزانية الدارالبيضاء، أفاد الفيلالي بأن مجلس المدينة لن ينفق أي مبلغ مالي على المشروع، على اعتبار أن كازا إسكان ستقوم بإعادة إسكان السكان المعنيين بقرارات نزع الملكية، وكذلك sonadac التي كانت حاملة المشروع منذ البداية.