"عيد الوحدة".. نزال المعركة الكبرى

أحمد مدياني
أحمد مدياني

يوم أمس الثلاثاء، انطلقت في 17 عمالة، سلسلة المشاورات الموسعة الخاصة بإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. مسار تشرف عليه وزارة الداخلية مباشرة، تتواصل هي وتحدد مع من وتجمع التوصيات والخلاصات، بغرض تحويلها لمشاريع وبرامج ملموسة.

إذا كانت الداخلية ستفعل كل شيء وأي شيء، ما الجدوى من وجود منتخبين، يمسكون برئاسة الجهات والأقاليم والجماعات... كيف يتم التأسيس لمستقبل وطنٍ يعيش تحولات كبرى في غياب إرادات سياسية تساعد على إنجاح تحدياتها، بل يجب أن تعمل على ذلك، ويكون مبتدأ ومنتهى همها.

نعم، حين تتأمل الورقة التأطيرية للمشاورات تخلص إلى أنها وحدها كافية لتقوم الأحزاب بنسخها ولصقها ضمن برامجها الانتخابية، التشريعية منها والمحلية. سوف تأتي "نخب صناديق الاقتراع" مستقبلاً، من أجل تنزيل مصير كتب لها من قبل.

بناء على ذلك، لا مبالغة في تشبيه المغرب بالملاكم المحترف القوي، لكنه يخوض جُل نزالاته بدون قفازات. نحن شبه محتجزين لدى أضعف حكومة سياسية في تاريخ المملكة، وما تحتها من مجالس منتخبة يضاعِف ضعفها آلاف المرات.

وهذا خطر إن استمرت الأمور كما هي... لماذا؟

قبل الإجابة، وجب التركيز على أن المغاربة وفي خضم التعبير عن فرحتهم بقرار مجلس الأمن، والخطاب الملكي الذي جاء بعد إعلانه، عبروا عن مدى تأثير القرار 2797 ليس فقط على إنهاء النزاع المفتعل، بل أيضا إنهاء نزاعهم هم مع يوميات الاختلالات البنيوية المجالية، لأن الوعي الجمعي ترسخت في عمقه، على مدى عقود، أن معالجة أشياء كثيرة رهينة بحل ملف الصحراء المغربية.

وهذا ما يفسر بروز النقاش، مرة أخرى، تجاه وهم الجهوية الموسعة بقيادة مجالسها المنتخبة... طُرحت نقاشات حول صعوبة القفز من نمط تدبير لازلنا نستمر في اقتراف تجريبه فقط، إلى نمط آخر، حين سيمنح لجهة الصحراء المغربية، سوف يؤثر بالضرورة على باقي الجهات.

هنا، ولتبسيط دوافع طرح هذا القلق الذي يجب أن يصيب الجميع، وجبت الإجابة عن ثلاثة أسئلة.

الأول: ماذا تبقى للأحزاب السياسية لتمنحه مقابل استفادة قياداتها من فائض الامتيازات، ثم تنصرف، حين يقع ما يجعل الشعب والدولة وجها لوجه، سواء في لحظات الفرح أو القرح.

الجواب: لا شيء!

مؤشرات تفاعلها مع ما تقوده المؤسسة الملكية وتبادر بهِ وإليه، تؤكد كل مرة ذلك.

وأول مؤشر، هو أنه عوض الاستمرار في اجترار عبارات الفرح تجاه قرار مجلس الأمن الذي ثبت خيار الحكم الذاتي كأساس لحل النزاع المفتعل، كان من المفروض على الفاعل السياسي المبادرة، دون انتظار الإشارة، لفتح نقاش عمومي واسع ومستمر، تجاه هذا التحول.

كان من المفروض توفير وعاء حيث يصب النقاش بشكل مؤطر، ولا تترك التراكمات لتحدث مرة أخرى بعيدا عن المؤسسات الوطنية، لتأتي الطفرات من حيث لا نحتسب.

منذ مدة، نتفرج على مشهد مؤسسات حزبية واعية بأن وزارة الداخلية، عبر الولاة والعمال، عادت لتمسك بزمام الأمور، ومع ذلك، تجلس بدورها فوق كراسي الجمهور.

هنا، لا أعيب على الداخلية عودتها لنهج "الحزب الأول"، لأن الواقع الذي لا يرتفع، بعيدا عن خطابات شيطنة "أم الوزارات"، يخبرنا كل مرة بأن تدخلها يفرضه ما ينتجه الناخب المحلي والجهوي من اختلالات في تدبير وتسيير وصرف كل ما هو موكل لمؤسساته من مشاريع وبرامج، خاصة منها، الاقتصادية والاجتماعية وتلك المرتبطة بالبنى التحتية والولوجيات الأساسية.

ما تبقى للأحزاب هو ما اختارته قياداتها... البحث ما أمكن عن تقسيم غنائم التوقيعات باسم المؤسسات المنتخبة، والسطو على مفاتيح خزائنها.

أما السؤال الثاني فهو البحث عن أين يكمن دور الفاعل السياسي الآن ومستقبلا؟

 للإجابة عنه، يكفي التذكير بأن أغلب الوجوه التي تتصدر المشهد عند وقوع تحولات كبرى، هم أعيان أو كفاءات رهن إشارة الدولة، يتحركون وفق إرادتها لا على أساس الانتماء لتعبير سياسي يحمل مشروعا.

وحين تفشل هذه الوجوه في ترجمة الإرادات الكبرى، يسهل إبعاد المسؤولية عن حيث يختبئ الفاعل السياسي كل مرة، وإن كان لا يمارس صراحة، غير الفعل لذاته ولأجلها.

السؤال الأخير: هل سيكون لما تفرزه صناديق الاقتراع مساهمة في استثمار فتح المملكة المغربية بقيادة الملك لباب حسم القضية الوطنية وتنزيل خيار تدبير الصحراء؟

لا أعتقد ذلك!

ما أتابعه منذ قرابة سنة ونصف يدفع للفصل الظاهر بين ما يتم على مستوى الدولة وما يجري على مستوى المؤسسات التي تفرزها الانتخابات.

بعد منتصف الولاية الحكومية الحالية، هناك تركيز أكبر على جعل كل ما له علاقة مباشرة بمجالات السيادة الوطنية الكبرى، في الاقتصاد والماء والفلاحة والصحة والبرامج الاجتماعية ومجالات الثقافة وحتى الرياضة... تحت سلطة تدخل وتدبير مباشر من وزارة الداخلية، دائما، وفق تعليمات ملكية.

وكذلك سيكون الحال حين سيمر المغرب لمرحلة تأسيس ومأسسة خيار الحكم الذاتي. بل أتوقع أن يطرأ تحول كبير جدا، ينهي العمل بالجهوية الموسعة كما هي اليوم، حيث منحت سلطة المال والتدبير لمن لم ينجز أي أثر من خلالها لصالح حياة المواطنين.

ومرة أخرى، وجب الحذر من أن هذا التحول، يمنح المسؤولين على أشكالهم اليوم، فرص أكل الغلة والتنكر للملة كلما حان وقت الحساب.

أمس، أعلن الملك يوم 31 أكتوبر من كل سنة "عيد وحدة"، وقبل ذلك، أعطى إشارات قوية بأن قرار مجلس الأمن ليس انتصارا في حد ذاته. وقبل ذلك بكثير، مرات عديدة، نبه لخطورة فقدان الثقة في الفاعل السياسي ومؤسساته، خاصة حين يعتلي كراسي المسؤولية العمومية.

إشارات وأخرى كثيرة، لا تلتقط لتفعل كما يجب، ما يفرض الوقوف قليلا للبحث عن شروط كسب المعركة الكبرى، وبأي قفازات نزال سوف يحسمها المغرب بكل فئاته لصالحه.

مواضيع ذات صلة