"اللي ما خرج من الدنيا... ما خرج من عقايبها!" مثل مغربي، ضارب في القدم، لو استحضره كل مواطن، كبر أو صغر، ومن كل الفئات، لفكر ألف مرة قبل أكل لحم أخيه وهو حي، قبل جعل فرد من مجتمعه فريسة لنهش عرضه، كرامته، صورته، بل حتى حاضره ومستقبله.
السواد الأعظم من المغاربة نشؤوا على "تربية عوجة"، قوامها الاهتمام بشؤون الخاصة أكثر من اهتمامهم بشؤونهم العامة.
كيف؟
تجد الفرد منا ينجذب لوقائع ما يوصف بالفضائح وأسرار ما خلف جدران البيوت، أكثر من اهتمامه بما يمس قوت يومه ويفرض عليه شروط ضنك العيش. يجتهد المواطن "المغربي القح" لمعرفة ما يجول داخل الغرف الخاصة، الواقعية منها والافتراضية، ويهدر وقته يوميا للجري وراءها، في المقابل لا يجتهد في أن تصله أخبار الغرف العامة حيث يتم تحديد مصيره.
هذه التربية التي تتناقل عبر الأجيال، وفق نسقٍ تصاعد مؤخرا حد التطرف، بسبب طفرة مواقع التواصل الاجتماعي ومنصاته، تجعل من المغربي يقترف يوميات حياته وفق قاعدة: "أنا داخل سوق راسك... صحة ولا خاطر"، وكذلك بالمثل، يواجهه المحيطون به.
تربية، وضعتنا في منزلة سلطة وهمية لكن حدود صلاحياتها لا نهائية.
لماذا؟
لأنه في الحي، يتم وسم الأفراد داخل محيطه بناء على نوعية ملابسهم، أو هيئتهم التي اختاروا هم أن يكونوا عليها، دون إيذاء أحد، وكأنه تم الاتفاق مسبقا على مظهر واحد يجب أن ينضبط له الجميع، وإلا ستعيش في هذا الوسط وأنت تواجه أهوال التصنيف الذي قد يصل حد التكفير والشيطنة في حالات واقعية.
داخل الإقامة أو العمارة، شقتك ليست ملكك وحدك، تفعل فيها ما تشاء، بشرط عدم إلحاق الضرر بباقي الجيران أو الإتيان بفعل يمس حقوق مقامهم في حدود حريتهم التي تنتهي عند حريتك أنت.
جيرانك يملكون معك، مُكرها، ما وراء باب بيتك الخاص. قد يصل الأمر حد أن يختاروا لك من تستقبل ومن لا يمكن لك أن تفتح لهم الباب أصلا. تمنحهم، هم والحارس، بدون أن تشعر قائمة أقاربك المتضمنة في الحالة المدنية، ومن هم خارج أصولها، يجب أن تبرر دائما، بطرق غير مباشرة، بأن هذا خالك والأخرى خالتك وتلك ابنة عمتك، وهذا الوجه الجديد ليس سوى ابن عمك، ومن هم وهن ضمن دائرة أصدقائك، هناك من يتطوعون للقيام بتحقيق الهوية لهم، وترصدهم على مدار الساعة، التلصص من خلف الجدران على أحاديث معهم، خاصة بعد مغيب الشمس، حيث تشتغل رادارات المراقبة بضعف أدائها، لرصد من سوف يبيت عندك ومن سيغادر.
ما سبق ذكره، إن كنت من طائفة المتزوجين، أما إن كنت من قبيلة العزاب، فتلك معاناة أخرى، لأنك لن تجد، أولا، جدرانا تؤويك بسهولة في المغرب، فكراء بيت أو حتى امتلاكه، يفرضان ألا تكون من هذه الطائفة، وإن وفقت في الحصول عليه، اعتبر أن بابك علقت عليه عبارة غير ظاهرة لك، لكنها واضحة لكل جيرانك من محترفي عيش حياتك الخاصة معك مكرها، وهي: "القاطن هنا مجرمٌ ومنحرفٌ وجب مراقبته والحذر منه!"
داخل الفضاءات الافتراضية، أصيبت "التربية العوجة" للمغاربة بطفرة أشد فتكا... فيروس "دخول الآخرين لسوق راسك وحياتك الشخصية بزز منك"، حتى أصبح الحاملون لما لا نهاية من متحوراته، يختارون لك:
كيف يجب أن تعيش وتأكل وتجلس! بمن يجب أن ترتبط وأن لا ترتبط! كيف تتمشى! بماذا تقتنع! من هم أسلم لك لمصاحبتهم! أين يجب أن تقيم! ماذا يجب أن تدرس وأي مهنة يجب أن تختار! من لك الحق في نصرتهم ومن ليس لك الحق في الدفاع عنهم! ما هي الأخلاق والقيم والمبادئ التي يجب أن تؤطر حياتك من المهد إلى اللحد! حتى كيف يجب أن تحزن على رحيل أحد أقاربك أو أصدقائك! بل يتبعونك حتى تحت تراب قبرك ليحددوا هل تستحق التعزية أم لا...!
كل هذا وفق معايير خاصة تضعها مجموعات تسكن "السلوكا" والروابط اللاسلكية، مهمتها في الحياة، تحديد من هو "المواطن الصالح" وفق منهجها، ومن يجب سحقه وفق ترسبات الأعطاب النفسية لمن يوجهها.
طفرة "التربية العوجة" في المواقع، تُسرع منذ عقدين على الأقل، الإجهاز على ما تبقى من محاولات من سبقونا لترسيخ مجتمع متعدد يحترم الخصوصيات ويدافع عن الصالح العالم.
تسرع انقلاب الآية لتصبح: التفرج على هدم الصالح العام مقابل الاجتهاد في وأد الحيوات الخاصة.
هذه بعض جوانب أعطاب التربية بكل ما يمكن من تلخيص. أما القانون المغربي بمختلف تفرعاته، فتلك طامة أخرى، يمكن تلخيصها في أنه يُسهل شروط اقتراف كل التجاوزات تجاه حريتك الشخصية، بترك فراغات تستغل بمكر، حين يقرر أحدهم جعلك ضحية.
قبل وضع نقطة الختام، خاصة أن الموضوع الذي قاد لتدوير عجلة إنتاج هذه الأسطر، ولد نقاشا حول كيف تناولته الصحافة المغربية، وجبت الإشارة إلى أن المبدأ يؤخذ كله أو يترك كله.
لا يجب أن تختار ماكينات المواقف المواد الأولية لصناعتها حسب جنسية ودين وعرق وموقع ومسؤولية من مسه الضر.
ولا يجب أيضا أن تلعن اليوم ما كانت تحترفه بالأمس القريب.
أستغرب كيف لمن كان يلهث خلف فضائح الجميع، يرفض حذف كلمة من مقال لأنها تمس الحياة الخاصة لمسؤول سياسي، بمبرر أنه شخصية عامة، يجيبك حين تنبه: "يستحق ذلك..." ثم يقدم الدروس في أخلاقيات المهنة وحدود تناولها لمواضيع من هذا القبيل.
أتفهم، حين يغيب الغرض من حصد النقرات والمشاهدات التي تبيض "أموال الأدسنس"، يستفيق الضمير فجأة.
ضمير يجب أن يبقى صاحيا، مهما اختلفت المواقع، لأن أعطاب التربية أشد فتكا من فراغات القانون... أقوى إيذاء من تناول إعلامي يحدده البعض وفق ما وُفّرَ لهم من المساحات عند إحدى ضفاف الاصطفاف، وما تمنحه من غنائم.