"فيزا فور ميوزيك".. منصة للصناعة الثقافية ومتحف "آردين" يوثق للذاكرة

محمد فرنان

بموازاة العروض الفنية التي تتوزع على أربعة فضاءات هي مسرح محمد الخامس وسينما النهضة وقاعة باحنيني وموقع شالة الأثري، يكرس مهرجان "فيزا فور ميوزيك" (Visa For Music) الذي تتواصل فعالياته ما بين 19 و22 نونبر الجاري جانبا من برمجته للترويج للصناعات الثقافية، وذلك من خلال المعرض المهني المقام ببهو مسرح محمد الخامس في الرباط.

ويشهد المعرض هذا العام مشاركة تتمثل في 112 عارضا يمثلون 30 دولة ومؤسسة موزعين على 50 رواقا مهنيا، وتفيد إحصائيات المهرجان بأن الفضاء يستقبل يوميا نحو 1,000 زائر تتنوع صفاتهم بين مهنيين في قطاع الموسيقى وشغوفين بالفنون وجمهور عام.

وعلى صعيد المشاركات الدولية يسجل "متحف آردين" الموريتاني حضوره الأول في هذا الحدث، حيث يقدم من خلال رواقه عرضا للآلات الموسيقية التقليدية الموريتانية وجهود الحفاظ عليها من الاندثار.

رسالة فنية عابرة للحدود

في هذا الصدد قال مصطفى سيديا، المسؤول الإعلامي لمتحف آردين الموريتاني، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، إن "هذا المتحف جاء من موريتانيا ليتقاسم مع المملكة المغربية ومع ضيوفها من مختلف دول العالم الثقافة والفن، لأن الفن يوحد دوما ويجمع الأمم".

وأضاف المتحدث ذاته، أن "المتحف يشارك لأول مرة في هذا المهرجان، وسررنا جدا بهذه المشاركة، ونأمل في متحف آردين أن تكون هناك فرص أخرى لاستعراض التعاون الثقافي الفني الموسيقي بين بلداننا".

فلسفة المتحف

وردا على سؤال حول طبيعة المتحف وفلسفته أبرز سيديا أن "متحف آردين هو تجربة شخصية ومتحف للفنانة عائشة شغالي، فهي من أتت بالفكرة وجسدتها على أرض الواقع".

وأشار إلى أن "فلسفة هذا المتحف تقوم بالأساس على التعريف بالآلات الموسيقية التقليدية، وخصوصا (الآردين)، ولدينا حرص دائم على إشراك كل الآلات الموسيقية الأخرى".

الآردين هي آلة موسيقية وترية تقليدية عريقة تختص النساء بعزفها في المجتمع الموريتاني وتعد رمزا للثقافة الحسانية.

وذكر المتحدث ذاته قوله "لقد سعينا من خلال التجربة الأولى التي تمثلت في (مهرجان آردين)، والذي أدت نجاحاته لاحقا لفكرة المتحف، أن تكون هذه الآلات متوفرة في موريتانيا سواء للفنانين العازفين أو للزوار من مختلف البلدان للتعرف على هذه الآلات الموسيقية وعلى قطعها المختلفة".

التأسيس وإنقاذ الصناعة التقليدية

وفي سياق حديثه عن مقر المتحف ومحتوياته أشار سيديا إلى أن "المتحف يتخذ من نواكشوط مقرا له، ويتوفر على مئات القطع الموسيقية المختلفة، حيث نحاول أن تكون هذه الآلات في متناول الجمهور سواء للتعريف بها أو لاستخدامها".

وعن تاريخ الإنشاء أوضح أن "المتحف أنشئ سنة 2019 بعد تنظيم ما يقارب ثلاث نسخ من مهرجان آردين، وذلك بعد أن لاحظنا أن هذه الآلات يصعب الحصول عليها لأن القطع التي تصنع منها هي قطع مستوردة، وتصنيعها لا يزال تصنيعا يدويا بطرق تقليدية".

وتابع: "لقد وفرنا هذه القطع وأنشأنا المتحف، وأصبح الآن بإمكان الجمهور الحصول على هذه الآلات وشرائها من وسط العاصمة بأسعار تناسب الجميع، وأيضا التعرف عليها وحتى تعلم عزفها، إذ نوفر دورات تدريبية لتعليم العزف".

الحفاظ على التراث من الاندثار

وفيما يتعلق بجهود الحفاظ على هذه الصناعة، أكد المسؤول الإعلامي أنهم "يسعون للحفاظ على الآلات الموسيقية نفسها، لأنها كانت مهددة بالاندثار، فثقافة العزف على الآلات الموسيقية التقليدية كادت تطمسها التكنولوجيا وتوفر الآلات الحديثة وسهولة التعامل معها، لكننا من خلال مهرجان آردين ومن بعده المتحف استطعنا أن نعيد لهذه الآلة جزءا من مكانتها".

وأبرز أنهم "يسعون لأن يتوسع العمل وأن تكون هناك شراكات في بلدان أخرى، وأن يتم توسيع التعريف بهذه الآلات الموسيقية لأنها في الأخير جزء من تراث بلدنا ومن مسؤولية الجميع التعريف بها، وهذا سيجعل من الأمر مسعى لتعزيز التعاون الثقافي بين بلداننا وأيضا بلدان العالم".

الموسيقى رسول سلام

وحول دور الموسيقى في التقريب بين الشعوب، شدّد سيديا على أنه "بكل تأكيد الموسيقى تدخل القلوب وتدخل البلدان، ونحن هنا تعرفنا على موسيقى بلدان أخرى واستمتعنا بها وشاهدنا مشاهد تعكس ثقافة هذه البلدان وتنوعها".

وأورد أن "الموسيقى طالما كانت رسولة سلام بين البلدان، وطالما شكلت فرصا لتعزيز التعاون والتقارب بين الشعوب والتعرف كذلك على عمقها، لأن الموسيقى تعكس عمق البلدان وتعكس عمق الناس".

وخلُص إلى أنها "ليست فقط مسرحا للاستمتاع والترف، بقدر ما هي وسيلة للولوج للنفوس وإيصال رسائل ربما لا يستطيع أي شيء آخر إيصالها، فالموسيقى ربما تكون أقوى رسول في هذه الفترة".

الأولوية للتراث لا للربح

وتعليقا على سؤال حول ما إذا كان المتحف يمثل توجها نحو استثمار ثقافي ربحي، أجاب سيديا بقوله "بكل تأكيد هناك عائد، لكن ليس هذا هو الهدف، فالهدف في أصل إنشاء المتحف ليس هدفا ربحيا، ولو كان كذلك لابتكرنا طريقة لتصنيع الآلات بطرق تكنولوجية سريعة".

وأكد أنه "نحن نريد الحفاظ على التراث أولا، الحفاظ على التراث الموسيقي لبلدنا، وتوفير هذه الآلات وإتاحة الفرصة للجمهور الراغب في شرائها أو تعلمها، وأيضا للسياح القادمين من البلدان الأخرى الذين يودون التعرف عليها دون احتكار، فهي تعكس جزءا كبيرا من تراثنا، والموسيقى تحتفظ في داخلها بتاريخ البلد وأمجاده وأصالته".

مهرجان آردين الدولي

يعد "مهرجان آردين الدولي" تظاهرة ثقافية سنوية تحتضنها العاصمة الموريتانية نواكشوط.

وانطلقت أولى دورات هذا الحدث في عام 2017 بمبادرة من الفنانة عائشة بنت شغالي، بهدف الحفاظ على آلة "الآردين" التقليدية وتوثيق التراث الموسيقي المرتبط بها.

ويجمع المهرجان في كل نسخة نخبة من الفنانين والعازفين والباحثين، حيث تتضمن برمجته سهرات فنية وندوات علمية تناقش واقع الآلات الموسيقية وسبل حمايتها.

ومهدت الدورات الثلاث الأولى للمهرجان الطريق لتأسيس "متحف آردين" في عام 2019 كمؤسسة دائمة لحفظ هذا الأرشيف.

زيارة السفير

ويذكر أن سفير المملكة المغربية المعتمد لدى موريتانيا، حميد شبار، قام زيارة رسمية لمقر "متحف آردين" في العاصمة نواكشوط، وذلك يوم الخميس 26 شتنبر 2024.

وكان في استقباله حينئذ، رئيسة المتحف، الفنانة عائشة بنت شغالي، حيث قام بجولة استطلاعية في مختلف أجنحة المتحف، تعرف خلالها على المقتنيات النادرة من الآلات الموسيقية التقليدية.

وتابع شريطاً وثائقيا يستعرض تاريخ مهرجان آردين وجهود المتحف في صون الذاكرة الموسيقية، معربا عن إشادته بهذه المبادرة النوعية التي تحفظ تراثا عريقاً من الاندثار.