كشف عثمان كاير، رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، عن أهم خلاصات البحث الميداني الذي أنجزه المرصد بخصوص برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، مشددا على أن هذا البحث يأتي في سياق الحرص على إرساء ثقافة التقييم المرحلي، بدل انتظار سنوات كما جرت العادة في تجارب البرامج الاجتماعية السابقة.
وأوضح كاير، خلال عرضه في ندوة صحفية بالرباط، حضرها "تيلكيل عربي"، في معرض تفاعله مع أسئلة الصحافيين، أن تنفيذ البحث تم مباشرة بعد صرف أول دفعة من الدعم، أي خلال الفصل الأول من سنة 2024، واستهدف عينة مكونة من 4462 أسرة مستفيدة فقط، مما يجعل نتائجه تعكس المرحلة التأسيسية الأولى للبرنامج، وليس تقييما شاملا لكل الفئات أو الجهات.
وأوضح كاير أن البحث اعتمد منهجية مزدوجة، تمثلت في جمع المعطيات الكمية عبر استبيان علمي دقيق، مكون من أكثر من 70 سؤالا، سمح بالتقاط آراء وتقييمات المستفيدين في ما يتعلق بجوانب عدة، منها: التعرف على البرنامج، سلاسة التسجيل، وضوح المعايير، الشفافية، والرضا العام.
وأبرز أن عمليات تنقيح دقيقة للبيانات سمحت باستبعاد الإجابات غير المتجانسة أو المشكوك في مصداقيتها، من خلال مقارنة التناسق بين الأجوبة واستخدام عينة احتياطية لتعويض أي خلل.
وذكر أنه "جرى تعميق المعطيات من خلال تنظيم جلسات نقاش نوعية مع المستفيدين في ستة أقاليم، أفضت إلى فهم أعمق للتمثلات الاجتماعية حول البرنامج، ولمس نقاط القوة والقصور التي لا تظهر من خلال الأرقام فقط.
وأشار رئيس المرصد إلى أن العمل لم يتوقف عند جمع المعطيات وتحليلها، بل شمل أيضا إعداد مؤشر وطني للرضا الاجتماعي، وضع بعد مقارنة دقيقة مع تجارب دولية رائدة في برامج الدعم النقدي، خاصة في كل من البرازيل، المكسيك، إندونيسيا، وجنوب إفريقيا.
وأكد المتحدث ذاته، أن اختيار هذه الدول لم يكن اعتباطيا، بل جاء بناء على تشابه في البنيات الاجتماعية والسياسات العمومية، مشيرا إلى أن المغرب يعد من الدول الرائدة في منطقته بهذا النوع من البرامج، ولا يمكن مقارنته بدول تفتقر إلى تجارب مماثلة.
وحول الجدل القائم حول قيمة الدعم المالي (بين 500 و1200 درهم شهريا حسب تركيبة الأسرة)، أكد كاير أن هذا المبلغ يجب النظر إليه في سياقه الواقعي، أي أنه موجه لفئات لا دخل لها أو دخلها محدود جدا، وليس لفئات متوسطة أو ميسورة.
وأوضح أن مبلغ 500 درهم قد لا يكون له تأثير يذكر على أسر ذات دخل شهري يتجاوز 10 آلاف درهم، لكنه يشكل فارقا كبيرا لدى الأسر التي لا تتعدى مداخيلها ألفي درهم أو أقل.
مع ذلك، شدد المتحدث على أن الدعم المالي يظل إجراء مؤقتا وانتقاليا، لا يمكن التعويل عليه بشكل دائم، داعيا إلى ربطه ببرامج التمكين الاقتصادي والتأهيل المهني، حتى تتحول هذه الفئات من مستهلكة للدعم إلى منتجة وفاعلة في الدورة الاقتصادية.
وأكد رئيس المرصد أن الهدف من هذا البحث لم يكن إصدار أحكام قيمة حول البرنامج أو معاييره، بل تقديم قراءة علمية لتجربة المستفيدين خلال المرحلة الأولى، بغرض تطوير البرنامج وتجويد آلياته.
واعتبر كاير أن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه ليس حول كفاية الدعم المالي، بل ماذا كان سيكون وضع هذه الأسر لولا هذا البرنامج؟، خصوصا في ظل موجات التضخم التي عرفها المغرب خلال 2022 و2023، مستنتجا أن الدعم ساهم على الأقل في ضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي لهذه الأسر.