اعتبر المؤرخ والصحافي البريطاني غيلز تريملِت، المتخصص في التاريخ الإسباني، أن تجربة الجنرال فرانسيسكو فرانكو في المغرب شكّلت محطة حاسمة في تكوين شخصيته العسكرية والسياسية، بل إنها، بحسب تعبيره، عنصر لا يمكن فهم مساره من دونه. وقال تريملت إن فرانكو نفسه كان يردد: «من دون إفريقيا لا يمكن فهمي».
وجاء ذلك في حوار مطوّل أجراه المؤلف مع صحيفة إسبانية، بمناسبة صدور كتابه الجديد «فرانكو: الديكتاتور الذي شكّل بلدًا»، الذي يقدّم سيرة تحليلية معمقة لشخصية الرجل الذي حكم إسبانيا لأكثر من ثلاثة عقود.
المغرب… مدرسة الجنرالات
ويؤكد تريملت أن شمال المغرب، خلال فترة الحماية الإسبانية، كان مختبرا لتكوين نخبة من الضباط الإسبان المعروفين بـ«الأفريقيين»، وهم الذين سيقودون لاحقا انقلاب سنة 1936. ففي هذا السياق العسكري الصارم، تبلورت قناعة راسخة لدى هؤلاء الضباط بأنهم "مكلفون بإنقاذ الوطن"، وهو مناخ يرى المؤرخ أنه غذّى النزعة السلطوية والانغلاقية لدى فرانكو.
وأضاف أن الجيش في المغرب لعب، بالنسبة لفرانكو، دورا نفسيا يتجاوز مجرد مؤسسة عسكرية، إذ عوّض غياب الأب، ووفّر له الانضباط والسلطة والاعتراف، في مرحلة مبكرة من حياته.
شخصية باردة بلا تعاطف
ويرسم الكاتب صورة قاسية لشخصية الديكتاتور الإسباني، واصفا إياه بـالبارد والحذر وعديم التعاطف، مشيرا إلى أن هذه الصفات ظهرت مبكرا، سواء في حياته الخاصة أو في قراراته السياسية اللاحقة. ويقول إن فرانكو لم يُبد أي تردد حتى في الموافقة على إعدام أقارب وأصدقاء، في واحدة من أكثر الصفحات دلالة على صلابته النفسية.
من البيت المنقسم إلى الدولة المنقسمة
ويربط المؤرخ بين الانقسام داخل أسرة فرانكو، بين أب ليبرالي وأم محافظة، وبين رؤيته لإسبانيا كبلد منقسم يحتاج إلى "الضبط بالقوة". ويذهب إلى أن هاجس "الشرف" الذي سيطر على فرانكو لاحقا له جذور شخصية تعود إلى شعوره بالإهانة العائلية خلال الطفولة.
الجمهورية والحرب الأهلية
وفي تقييمه لفترة الجمهورية الثانية، يرى تريملت أنها كانت تجربة ديمقراطية حقيقية، لكنها انهارت بسبب استقطاب حاد حوّل المجتمع إلى معسكرات متواجهة. واعتبر أن الحرب الأهلية لم تكن صراعا بين تيارات راسخة بقدر ما كانت مواجهة بين معاداة الشيوعية ومعاداة الفاشية في بلد لم يكن لأي من التيارين فيه وزن فعلي كبير.
الكنيسة ونهاية النظام
كما توقف المؤرخ عند تحول موقف الكنيسة الكاثوليكية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، معتبرا أن هذا التحول ساهم تدريجيا في إضعاف شرعية النظام الفرنكوي، الذي كان يعتمد على تحالف وثيق مع المؤسسة الدينية.
قراءة تاريخية لا تزال راهنة
ويخلص تريملت إلى أن فهم شخصية فرانكو لا يزال ضروريا لفهم إسبانيا المعاصرة، لأن آثار تلك المرحلة، بما فيها تجربة المغرب، ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية والتاريخية للبلاد.