عاد مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر نفق بحري تحت مضيق جبل طارق إلى الواجهة، مع دخول هذا الورش الاستراتيجي مرحلة جديدة توصف بالحاسمة، مدعومة بتمويلات إضافية ودراسات تقنية وعلمية غير مسبوقة منذ نحو عقدين.
وبحسب معطيات حديثة، تعمل الجهات الإسبانية على تحديث شامل للدراسات الأولية للمشروع، من خلال إعداد تصور تقني جديد يرتقب استكماله في غشت 2026، يشمل مراجعة مسار النفق، والخصائص الجيولوجية، ومدى الجدوى الاقتصادية، في أول مراجعة من هذا الحجم منذ سنة 2007.
وفي موازاة ذلك، عززت مدريد تمويلها للمشروع عبر تخصيص اعتمادات إضافية لفائدة الشركة المكلفة بتنسيق الدراسات، لترتفع الاستثمارات الموجهة لهذا الورش منذ 2022 إلى أزيد من 9.6 ملايين يورو، في مؤشر على تسارع الاهتمام السياسي والاقتصادي بالمشروع.
ومن المرتقب أن يشهد صيف 2026 إطلاق حملة علمية بحرية دقيقة، تقودها مؤسسات بحثية إسبانية بشراكة دولية، لدراسة قاع المضيق، خاصة بمنطقة “عتبة كامارينال” التي تعد من أكثر النقاط تعقيدا من الناحية الجيولوجية، في خطوة حاسمة لتقييم إمكانية إنجاز النفق على أعماق قد تصل إلى 475 مترا.
كما تشمل هذه الدراسات إعداد نماذج ثلاثية الأبعاد للبنية الجيولوجية، وتحليل التربة البحرية، في ظل تحديات تقنية وبيئية كبيرة، أبرزها كثافة الملاحة البحرية التي تتجاوز 100 ألف سفينة سنويا، إضافة إلى غنى المنطقة بالتنوع البيولوجي.
وعلى المستوى الثنائي، يشهد التعاون المغربي-الإسباني زخماً متزايداً، حيث تم توقيع اتفاق بين الجانبين لإجراء أبحاث مشتركة حول النشاط الزلزالي والبنية التكتونية للمضيق، بالنظر إلى موقعه عند تقاطع صفائح قارية.
ويرتقب أن يمتد النفق المرتقب على طول يقارب 65 كيلومترا، مع تصميم يشمل نفقين متوازيين وسردابا للخدمات، ما سيمكن من تقليص زمن الرحلة بين ضفتي المتوسط إلى نحو 30 دقيقة، وفتح آفاق جديدة لنقل المسافرين والبضائع والطاقة.
ورغم التقدم المسجل، لا يزال المشروع يواجه تحديات مالية وتقنية كبرى، حيث يُتوقع الشروع في إنجاز نفق تجريبي قبل 2027، على أن تبدأ الأشغال الفعلية بعد 2030، مع إمكانية دخول المشروع الخدمة بين 2035 و2040، ما يستبعد جاهزيته قبل مونديال 2030.
ويُنظر إلى هذا المشروع كأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في المنطقة، لما يحمله من رهانات اقتصادية وجيوسياسية، من شأنها تعزيز الربط بين إفريقيا وأوروبا وتحويل المضيق إلى محور متكامل للنقل والطاقة والاتصالات.