من "المالية" إلى "الداخلية".. شبح "الانتقال القسري" يرعب موظفي الخزينة العامة

محمد فرنان

يعيش قطاع الخزينة العامة للمملكة، منذ أسابيع، على صفيح ساخن، حيث تسود حالة من الترقب والقلق غير المسبوقين بين آلاف الموظفين مخافة ما باتوا يصفونه بـ"الانتقال القسري" من وصاية وزارة الاقتصاد والمالية إلى وزارة الداخلية.

وتفجرت شرارة هذا الاحتقان عقب شروع وزارة الداخلية، في تنزيل مقتضيات القانون رقم 14.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، وهي الخطوة التي اعتبرها الفاعلون النقابيون "بداية النهاية" لعلاقتهم بوزارتهم الأصلية.

وتسارعت الأحداث في الأسبوع المنصرم، حين وجهت "أم الوزارات" دوريات للولاة والعمال لتفعيل إجراءات استخلاص الجبايات، بل وباشرت تنظيم دورات تكوينية لفائدة "المكلفون بالتحصيل" تحت إشراف عمالات الأقاليم.

لكن التطور الأخطر، حسب مصادر لـ"تيلكيل عربي"، تمثل في توصل 92 قباضة بمراسلات من وزارة الداخلية تدعو إلى "تسليمها"، في مؤشر فسره الموظفون على أنه سحب للبساط من تحت أقدامهم، وتمهيد عملي لفك ارتباطهم العضوي بوزارة الاقتصاد والمالية لصالح السلطة المحلية.

ويأتي هذا القرار الإداري لوزارة الداخلية، في وقت كان يعتقد فيه موظفو القطاع أن وضعهم الإداري قد تحصن نهائيا، خاصة بعد دخول النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة الاقتصاد والمالية حيز التنفيذ في فاتح يناير 2024.

وهو الإطار القانوني الذي كان يفترض أن يكرس انتماءهم لقطاع مالي سيادي وتحكمهم ضوابط المحاسبة العمومية، ليجدوا أنفسهم اليوم، بعد أقل من سنتين على هذا المكسب، في مواجهة مباشرة مع تعليمات السلطات المحلية، مهددين بالتحول إلى مجرد "منفذين" تحت وصاية الولاة والعمال.

ومما يزيد من حدة الغضب في صفوف شغيلة القطاع، هو "الصمت المطبق وغير المفهوم" لوزارة الاقتصاد والمالية والخزينة العامة للمملكة، التي تركت موظفيها يواجهون مصيرا مجهولا، مما عزز فكرة "تخلي" الوزارة عن موظفيها وعن اختصاصاتها التاريخية في تدبير المالية المحلية.

وهو الوضع الذي دفع بالنقابة الوطنية الديمقراطية للمالية المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل إلى إعلان خوض وقفة احتجاجية يوم 27 نونبر 2025، للاحتجاج أمام مقرات الخزينة الإقليمية بكافة أرجاء المغرب على هذه الوضعية طبقا لبيانها الصادر بالرباط بتاريخ 14 نونير 2025.

وطالبت النقابة باحترام اختصاصات وزارة الاقتصاد والمالية وصلاحيات الخزينة العامة للمملكة في تدبير شؤون موظفاتها وموظفيها، وأكدت رفضها لممارسات بعض رجال السلطة في بعض الأقاليم.

وتجاوز صدى هذا القلق أسوار الإدارة ليصل إلى قبة البرلمان، عبر سؤال كتابي وجهه المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، خالد السطي، الذي استفسر وزير الداخلية عن السند القانوني لهذه الإجراءات، وعن الضمانات التي تحمي الهوية المهنية للموظفين، مستغربا اتخاذ قرارات مصيرية بهذا الحجم دون أي تشاور مع الشركاء الاجتماعيين لقطاع المالية، وفي ضرب صارخ لمقتضيات النظام الأساسي الجديد الذي استبشر به الموظفون خيرا مطلع العام الماضي.

يشكل القانون رقم 14.25، القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، حجر الزاوية في هذا التوتر القائم؛ إذ رغم أن فلسفته المعلنة تهدف إلى عصرنة المنظومة الجبائية المحلية وتنمية الموارد الذاتية للجماعات، إلا أن مقتضياته التنظيمية حملت تغييرات جذرية في هيكلة مساطر التحصيل.

فالقانون الجديد يفتح الباب أمام نقل اختصاصات استخلاص الرسوم والواجبات من قباضات الخزينة العامة (التابعة للمالية) إلى مصالح الجبايات المحلية (التابعة للجماعات والسلطة المحلية)، من خلال إحداث وتفعيل آليات "شساعات المداخيل" وتوسيع صلاحيات الآمرين بالصرف، وهو ما قرأ فيه المهنيون سحبا تدريجيا للبساط من تحت أقدام المحاسبين العموميين، وتحويلا لمهامهم السيادية إلى مجرد إجراءات إدارية تدبر تحت أعين الولاة والعمال.