من ذاكرة الجوار إلى أفق الحوار.. المغرب والجزائر بين التاريخ والمستقبل

تيل كيل عربي

بقلم: إيمان الرازي - أستاذة جامعية

إن العلاقة بين المغرب والجزائر لم تكن يوما مجرد حدود جغرافية تمتد من السعيدية إلى تندوف إلى أبعد نقطة فيها، لأنها تتجاوز ذلك إلى تاريخ من الدم المشترك، والذاكرة الممتدة، والتضحيات المتبادلة والآمال المعلقة التي لا تزال تنتظر من يحررها من قيود الخلافات العابرة. فهذان الشعبان لم يلتقيا فقط في الجغرافيا، بل التقيا في المصير، وفي مقاومة الاستعمار، وفي الحلم المشترك ببناء وطن مغاربي كبير يكون فضاء للحرية والكرامة والتنمية والعدالة الاجتماعية.

لقد كانت الثورة الجزائرية المجيدة، التي سالت من أجلها دماء الأحرار، واحدة من اللحظات التاريخية التي جسدت تاريخيا عمق الروابط بين شعبينا، ومن ينكر دعم المغرب التاريخي لها، ملكا وشعبا، فهو ناكر أفاق جاحد، حيث كنا من أوائل الداعمين لاستقلال الشقيقة الجزائر، والمغرب من فتح أراضيه ومؤسساته وقلبه لأبناء الثورة. في المقابل، ظل الجزائريون يكنون للمغاربة تقديرا لا يمحوه الزمن السياسي ولا تقلباته البئيسة.

غير أن رياح السياسة كثيرا ما تعصف بمراكب الأخوة، فتغدو الحدود، التي كانت في المخيال الشعبي مجرد خط رمزي، جدارا صلبا يمنع التواصل ويزرع الشكوك. ومع ذلك، فإن الشعوب، بحكم عمقها الحضاري والإنساني، أعمق من أن تحاصرها حدود الجغرافيا. فالمغربي والجزائري يشتركان في اللغة والدم والدين والموسيقى والمطبخ والذاكرة. هذه القواسم المشتركة لا يمكن أن تموت مهما طال زمن الجفاء، لأنها تمثل جوهر العروة الوثقى التي تجمع بين الشعبين الشقيقين.

اليوم، نعيش تغير موازين القوى وتتعاظم فيه التحديات الإقليمية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب جديد قوامه التجاوب والتجاوز. فالمستقبل لا يبنى على تراكم الخلافات وتغذية الأحقاد، بل يجب أن نستحضر هاهنا الإرادة السياسية في فتح الأبواب والذهنيات على حد السواء. ولطالما ولدت من رحم الأزمة بوادر المصالحة، شرط أن نؤمن جميعا أن لا منتصر في الانقسام، ولا خاسر في الحوار. إذ سنشكل معا، قلب الجسد المغاربي النابض، وبدوننا معا يبقى حلم الوحدة المغاربية ناقصا ومبتورا.

ولأن التاريخ يعلمنا دوما أن الانتصار الحقيقي ليس في كسب نزاع حدودي أو سياسي مرهق، لكن في كسب المستقبل لأجيال جديدة تتطلع إلى العمل والعدالة والكرامة والازدهار والنماء. لذلك، فإن تجاوز الخلافات لا يعني فرضا لمأسسة النسيان، لكن في مدى قدرتنا معا على تحويل الجراح إلى دروس، وتحويل الماضي إلى رافعة للمستقبل. في هذا السياق، يبدو فتح الحدود، وإحداث الحوار السياسي والتنسيق الاقتصادي، خطوات ضرورية لترميم الجسور التي هدمها النزاع المفتعل لعقود طويلة.

لقد أثبتت التجارب قبلا أن عزلة أي بلد مغاربي هي خسارة للجميع، وأن التنمية لا يمكن أن تتحقق في ظل التوتر والقطيع، وأن التكامل المغاربي ممكن ويطرح نفسه اليوم كضرورة اقتصادية واستراتيجية أفق تحققها ممكن، لأن المنطقة تمتلك من الثروات الطبيعية والبشرية ما يجعلها قادرة على أن تكون قطبا مؤثرا في إفريقيا والعالم العربي واوروبا، لو توحدت الإرادات وذابت الحسابات الصغيرة في مشروع مغاربي كبير.

قد لا يكون الطريق سهلا بتاتا، وقد تحتاج المصالحة إلى شجاعة سياسية وجرأة في المصارحة كما أبدى جلالة الملك في خطابه السامي الذي تسامى فيه لأنبل الحدود، حيث توجه به للشعب المغربي وللجارة الجزائر وللعالم بالأمس، وأن الشعوب التي قاومت الاستعمار مجتمعة وانتزعت استقلالها قادرة على مقاومة العزلة والفرقة والفتنة. فالمستقبل، مهما بدا بعيدا، يبدأ بخطوة صادقة، وبإرادة تُغَلِّب صوت العقل على صخب الخلاف.

إننا أمام لحظة تاريخية مفصلية جديدة، تتطلب من النخب والمثقفين والسياسيين في البلدين أن يكتبوا فصلا جديدا من التآخي المغاربي، عنوانه "من ذاكرة الجوار إلى أفق الحوار". فحين تتصالح الذاكرة مع المستقبل، يصبح بناء الحلم المغاربي الكبير حلما ممكنا لا مؤجلا، ووعدا محققا لا عرقوبا، يزرع الأمل في قلوب شعوب متعطشة لوحدة حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الصادق.

وبذلك، يصبح صوت المغرب والجزائر الواحد نداء للحياة في زمن الانقسام، ودرسا للأجيال القادمة بأن التاريخ، مهما عكرته السياسة، سيظل قادرا على أن يكتب من جديد سيرة الأخوة في وجه النسيان وفصلا جديدا للجوار في أفق الحوار.