عاشت مدينة سبتة ليلة استثنائية وُصفت بأنها من أصعب الليالي التي عرفتها المنطقة الحدودية منذ بداية الصيف الجاري، بعد أن شهدت موجة غير مسبوقة من محاولات الهجرة غير النظامية، شارك فيها العشرات من الشبان واليافعين، بل وحتى الأطفال والقاصرين، الذين خاطروا بحياتهم في محاولة للوصول سباحةً إلى المدينة المحتلة عبر السواحل المقابلة لمنطقة الفنيدق.
وحسب وسائل إعلام محلية إسبانية، فإن الضباب الكثيف الذي غطى المنطقة طيلة الليل صعّب من مهام عناصر الحرس المدني الإسباني والوحدات المغربية المكلفة بمراقبة الحدود، حيث عمل الطرفان بتنسيق ميداني لمحاولة السيطرة على الوضع وإنقاذ أرواح العشرات من المهاجرين الذين خاطروا بالسباحة نحو الشواطئ في ظروف مناخية خطيرة.
مخاطر وسط الضباب: أطفال ومراهقون في الواجهة
رُصدت خلال الساعات الأولى من فجر اليوم مجموعات صغيرة من الأطفال والقاصرين وهم يصلون إلى رمال شاطئ "تراخال" سباحة، بعضهم بصعوبة بالغة، فيما عُثر على فتيات في سن المراهقة وقد تمكنّ من عبور البحر وسط الظلام، مستخدمات سترات سباحة أو ملابس خفيفة فقط، بينما كان بعضهن يحملن هواتفهن المحمولة مربوطة بأكياس بلاستيكية حول أعناقهن.
وحسب مصادر من المكان، فقد تم نقل هؤلاء القاصرين إلى أماكن مؤقتة للتسجيل والتحقق من هويتهم وأعمارهم، وسط حضور لعناصر نسائية من الأمن الإسباني، في مشهد يعكس تصاعد الظاهرة وتنوع الفئات العمرية المشاركة فيها.
تحركات مكثفة على الجانبين... وتعاون أمني ميداني
السلطات الإسبانية أطلقت، منذ مساء أمس، حالة استنفار شاملة، عبر نشر دوريات مكثفة تابعة للحرس المدني، مدعومة بوحدات خاصة وخبراء في الإنقاذ البحري، بالإضافة إلى قوات مكافحة الشغب. وتم تفعيل نظام المراقبة الجوية والبحرية باستخدام الزوارق، والطائرات المسيرة، وأجهزة الرصد الحراري.
في المقابل، نشرت السلطات المغربية عددا كبيرا من عناصر البحرية الملكية والدرك الملكي، مدعومين بزوارق سريعة من نوع "زودياك" مجهزة بثلاثة محركات، إلى جانب دوريات ساحلية راجلة في منطقة الفنيدق (قرب باب سبتة). وقد تمت عمليات تدخل مشتركة لإخراج مهاجرين من البحر في ظروف صعبة.
وسُجلت تنسيقات مباشرة بين الجانبين المغربي والإسباني خلال الليلة الماضية، خاصة في الجوانب المتعلقة بإنقاذ الأرواح وضبط الوضع الميداني، وهو ما حال دون وقوع مآسٍ أكبر، خاصة مع تدفق أكثر من 100 شخص نحو المياه في ظرف ساعات قليلة.
فيديوهات على واتساب تشعل موجة الهجرة
ما يزيد من خطورة الوضع، حسب ذات المصادر، هو الانتشار السريع لمقاطع فيديو عبر تطبيقات التراسل الفوري، خاصة "واتساب"، إضافة إلى منشورات على منصات التواصل الاجتماعي، تدعو وتُحرّض على محاولة العبور سباحة إلى سبتة. ويظهر أن هذه الفيديوهات باتت تُستخدم كوسيلة تحفيزية تُغري المراهقين والقاصرين بخوض مغامرة الهروب الجماعي.
ويؤكد متابعون أن "السباحة نحو سبتة" لم تعد مجرد خيار فردي يائس، بل أصبحت بمثابة ظاهرة جماعية تتكرر كل ليلة تقريباً، خصوصاً في فصل الصيف، حيث يتم استغلال ضعف المراقبة في بعض اللحظات، والضباب الكثيف، للهروب المفاجئ إلى البحر.
تدفق متواصل يُنهك قدرات الاستيعاب
بحسب المعطيات الواردة من الجانب الإسباني، فإن عدد المهاجرين المتواجدين حاليا في مركز الاستقبال المؤقت للمهاجرين (CETI) بسبتة يفوق 800 شخص، في حين يستضيف مركز إيواء القاصرين نحو 480 طفلاً وشاباً، مما يضع المدينة في حالة ضغط استثنائية، قد تتحول إلى أزمة في حال استمرار التدفقات بالمعدل نفسه.
وتشير مصادر أمنية إلى أن التعاون الحدودي بين المغرب وإسبانيا هو ما يمنع، حتى الآن، انهيار المنظومة الاستيعابية في المدينة المحتلة، مشددة على أهمية التنسيق الميداني والتواصل المباشر في مواجهة هذه التحديات.
الشبكات المنظمة ما تزال حاضرة رغم التفكيك
ورغم إعلان السلطات المغربية عن تفكيك خلية تُنسق لعمليات الهجرة الجماعية انطلاقا من مدينة الفنيدق، إلا أن الظاهرة مستمرة، خصوصا أن التنظيمات لم تعد تعتمد فقط على شبكات تقليدية، بل تستفيد من أدوات رقمية جديدة للتحفيز والتنسيق.
وتؤكد المعطيات أن القادمين من مناطق مختلفة من شمال المغرب يصلون إلى الفنيدق بلباس مدني ويتجولون على الشاطئ كزوار أو مصطافين، إلى أن تأتي اللحظة المناسبة للانقضاض والسباحة نحو الجانب الآخر، دون سابق إنذار.