هشاشة الطاقة وغلاء المعيشة.. الاقتصاد المغربي أمام اختبار صعب

خديجة قدوري

أزاح معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية الستار عن تأثير أزمة مضيق هرمز 2026 على سوق المحروقات المغربي، محذرا من أن ارتفاع أسعار الطاقة هذا العام يشكل اختبارا عسيرا للتوازنات الماكرو-اقتصادية للمملكة. فقد وجد المغرب، الذي كان يترقب نموا قويا بنسبة 5.6 بالمائة مدعوما بانتعاش فلاحي استثنائي، نفسه فجأة أمام 'تضخم مستورد' يهدد بتقويض هذه المكاسب.

وأوضح أن توقع تقرير السياسة النقدية لبنك المغرب اتساع عجز الحساب الجاري ليصل إلى 3.1% من الناتج الداخلي الإجمالي في 2026 يعود بشكل رئيسي إلى الارتفاع المرتقب في فاتورة الطاقة بنسبة 15.6%. والتي قد تتجاوز قيمتها 120 مليار درهم بنهاية العام إذا استقر النفط فوق 100 دولار.

أزمة هرمز تدفع المغرب نحو الطاقة المستدامة

كشف التقرير أن أزمة إغلاق مضيق هرمز تعكس هشاشة الأمن الطاقي في المغرب، الذي يظل عرضة للصدمات الخارجية العنيفة بسبب غياب مصفاة وطنية ومحدودية سعات التخزين الفعلية التي لا توفر حماية سعرية طويلة الأمد.

وأشار التقرير إلى أن تآكل المرونة الاجتماعية استنفد 'هوامش المناورة السلوكية' لدى المستهلك المغربي، فبينما اقتصرت استجابة 2023 على تعديل عادات السفر، أصبحت استجابة 2026 تمس "أساسيات العيش"، مما يزيد من مخاطر الاحتقان الاجتماعي والسخط على الأداء الحكومي.

وأوضح أن تكرار اتهامات "التواطؤ" و"تضارب المصالح" يظهر وجود فجوة ثقة عميقة بين المواطن والفاعلين في قطاع المحروقات، وهو ما لم تنجح التدابير الزجرية لمجلس المنافسة في حله بشكل نهائي.

وأفاد أنه في ظل التسارع القسري نحو الاستدامة أصبحت الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية "ضرورة اقتصادية" وليست مجرد خيار بيني. مبرزا أن نمو حصة السيارات الكهربائية والهجينة إلى 12.5% هو المؤشر الأبرز على هذا التحول الذي فرضته الأزمة.

توصيات لمعالجة أزمة أسعار المحروقات

وفي هذا الصدد، أوصى التقرير بالمراجعة المؤقتة للضرائب بتفعيل "الضريبة المرنة" من خلال خفض مؤقت للضريبة الداخلية على الاستهلاك (TIC) أو الضريبة على القيمة المضافة (TVA) لامتصاص جزء من زيادة الدرهمين، خاصة وأن الحكومة تستخلص نحو 3 دراهم كضريبة عن كل لتر.

ودعا إلى تسقيف هوامش الربح خلال الأزمات، من خلال التدخل المباشر لتحديد سقف لهوامش ربح شركات التوزيع خلال فترة الأزمة الجيوسياسية، لمنع "الجشع" وتواطؤ الأسعار الذي اشتكى منه 86.4% من المواطنين في الاستطلاعات.

وطالب التقرير برقمنة وتوسيع دعم منصة "مواكبة" لضمان وصول الدعم لمهنيي النقل بسرعة وشفافية أكبر، مع ربطه بالالتزام بعدم رفع تعريفة النقل والسلع الأساسية، من خلال تفعيل آلية فعالة للمراقبة.

وأوصى بتفعيل المراقبة الصارمة للمخزون من خلال إلزام الشركات بعدم رفع الأسعار على الكميات المخزنة مسبقاً (المخزون الاستراتيجي لـ 30-60 يوماً)، وضمان أن الزيادة لا تطبق إلا على الشحنات الجديدة المستوردة بعد الأزمة.

موجة تضخم وغلاء قياسي في مارس 2026

كشف التقرير أنه رغم أن التضخم في بداية 2026 كان معتدلا (0.8 بالمائة)، إلا أن صدمة مارس دفعت التوقعات نحو الارتفاع لتصل إلى 2 بالمائة أو أكثر. ووفقا لتحليلات BMCE Capital Research، فإن ارتفاع النفط فوق 85 دولارا يقلص النمو بنحو 0.4 نقطة مئوية، بينما قد يرفع استمرار الأزمة المفتوحة  التضخم إلى نطاق 3 بالمائة-4 بالمائة، مما يضع بنك المغرب أمام خيار صعب بين الحفاظ على سعر الفائدة عند 2.25% لدعم النشاط، أو رفعه لكبح التضخم.

وأفاد أن المواطن المغربي، وبشكل خاص الطبقة المتوسطة، يعتبر الممتص الأول لصدمة الطاقة. ففي عام 2026، لم تعد الزيادة مقتصرة على ثمن الوقود بل انتقلت عبر قنوات العدوى الاقتصادية إلى سلة الغذاء.

وأضاف أن الرقم الاستدلالي للمواد الغذائية سجل ارتفاعا بنسبة 8 بالمائة في فبراير 2026 نتيجة استعدادات رمضان، ولكن مع الزيادات في أسعار الوقود في مارس اشتعلت أسعار الخضر والفواكه واللحوم بشكل غير مسبوق، "فقد أكدت نقابات نقل البضائع أن ارتفاع أسعار المحروقات سيدخل الاقتصاد في موجة تضخم حادة" لأن كلفة الشحن تمثل جزءاً حيوياً من السعر النهائي للمستهلك.

وأوضح أن غلاء المعيشة في مارس 2026 تحول إلى قضية رأي عام، حيث تعالت الأصوات في المدن الكبرى (وجدة وطنجة اللتان سجلتا أعلى ارتفاعات بـ 1.4%) للمطالبة بتدخل عاجل، واعتبرت النقابات أن هذه الزيادة طعنة غادرة "في القدرة الشرائية وهدية عيد مسمومة" للمواطنين.

الاستجابة الحكومية وبرامج الدعم الاستثنائي

أعلنت الحكومة المغربية في 17 مارس 2026 عن إطلاق عملية جديدة للدعم الاستثنائي المهني النقل. هذا الإجراء الذي يشبه برنامج مارس 2022، يهدف إلى الحفاظ على استقرار تعريفة النقل العمومي وتفادي قفزة إضافية في أسعار السلع.

وفي هذا الصدد، أوضح التقرير أن هذه الخطوة  واجهت انتقادات واسعة. فقد اعتبرت نقابة التقدم والاشتراكية وأعضاء من العدالة والتنمية أن "الدعم يوجه للوبيات النقل والبلطجة المهنية" بينما يترك المواطن العادي يواجه مصيره وحده أمام مضخات الوقود، كما أثيرت تساؤلات حول غياب الشفافية في صرف هذه المبالغ التي كلفت الملايير في السنوات السابقة دون أثر ملموس على أسعار المواد الغذائية.

تسقيف الأسعار والسيادة الطاقية

أشار التقرير إلى أن قضية تسقيف أسعار المحروقات عادت لتتصدر النقاش العمومي في مارس 2026. ففي استطلاع 2023. طالب 51.6% بهذا الإجراء، وفي 2026 أصبحت هذه المطالب مدعومة بضغوط برلمانية وحقوقية قوية.

وأفاد التقرير أن أنصار التسقيف، بمن فيهم أعضاء 'الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول'، يرون أن تحرير الأسعار في عهد حكومة بنكيران ترك المستهلك رهينة في أيدي الشركات، مطالبين الحكومة باستخدام صلاحياتها القانونية لتحديد هوامش الربح أو وضع سقف سعري يحمي المواطنين في فترات الأزمات.

وأوضح التقرير أنه في المقابل، تدافع الحكومة ورئيسها، الذي يواجه اتهامات بتضارب المصالح لكونه فاعلاً رئيسياً في القطاع، عن نظام 'تحرير الأسعار المرتبط بالسوق الدولية'. ويشير المدافعون عن هذا الطرح إلى أن أي تدخل في الأسعار قد يؤدي إلى ندرة في الإمدادات أو يثقل كاهل ميزانية الدولة بمبالغ تفوق قدرتها على التحمل، خصوصاً وأن ميزانية 2026 بنيت على فرضية سعر 69 دولاراً للبرميل بينما يقترب الواقع من 100 دولار.