حذر وسيط المملكة، حسن طارق، من أن الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا تشكل بالضرورة حلا لتقليص الفوارق المجالية في المغرب، مؤكدا أن هذه الأدوات قد تعمّق أحيانا مظاهر الإقصاء، إذا لم تواكب بضمانات قانونية واجتماعية تضمن الولوج المنصف للخدمات العمومية.
وأوضح طارق، في مداخلة له، الأربعاء، ضمن ندوة حول الحكامة والتحول الرقمي نظمت بكلية الحقوق أكدال بالرباط، أن “الإنصاف المجالي” يشكل أحد المرتكزات الأساسية للحكامة المرفقية في المغرب، سواء على مستوى الدستور أو ميثاق المرافق العمومية، معتبرا أن ورش الجهوية يمثل اختبارا يوميا مزدوجاً لمدى حضور الدولة في مختلف المجالات الترابية، ولضمان الولوج الفعلي للحقوق.
وأشار إلى أن المجال الترابي لم يعد مجرد إطار جغرافي، بل أصبح فضاءً تتقاطع فيه انتظارات المواطنين مع السياسات العمومية، ما يفرض على الإدارة تطوير أدواتها لضمان التوازن بين الطلب الاجتماعي والعرض العمومي.
وفي هذا السياق، شدد وسيط المملكة على أن وظيفة الوساطة ترتكز أساسا على القرب، ما يستدعي تعزيز الحضور الجهوي للمؤسسة، لضمان إنصاف فعلي لا يقتصر فقط على مضمون القرارات، بل يشمل أيضاً المساطر، من حيث سهولة ومرونة ومجانية الولوج إلى خدمات الوساطة.
الرقمنة تعيد إنتاج الفوارق
وبخصوص التحول الرقمي، طرح طارق تساؤلا مركزيا حول مدى قدرة الرقمنة والذكاء الاصطناعي على تجاوز التفاوتات المجالية، مبرزاً أن المعطيات التي تتوفر عليها المؤسسة تُظهر أن الاعتماد على الوسائل الرقمية في استقبال التظلمات لا يؤدي دائما إلى تقليص هذه الفوارق.
وأوضح أن “الشرخ الرقمي” غالبا ما يتطابق مع “الشرخ المجالي”، ما يجعل الفئات الأكثر هشاشة، التي تعاني أصلا من ضعف الولوج إلى الخدمات، هي نفسها التي تجد صعوبة في الولوج إلى الحلول الرقمية.
واستحضر في هذا الإطار تقريرا أصدرته المؤسسة نهاية سنة 2024، نبه إلى أن حصر الاستفادة من الدعم الاجتماعي في البوابات الإلكترونية يطرح إشكاليات حقيقية تتعلق بمدى تكافؤ الفرص في الولوج إلى خدمات الدولة الاجتماعية.
الذكاء الاصطناعي.. بين الفرص والمخاطر
وفي ما يتعلق بإدماج الذكاء الاصطناعي في الإدارة، أكد وسيط المملكة أن مقاربة المؤسسة تنطلق من حماية حقوق المرتفقين، مع التنبيه إلى الإشكالات المحتملة التي قد تطرحها هذه التكنولوجيا، مقابل الإقرار بالفرص التي تتيحها في تحسين جودة الخدمات العمومية وتعزيز شفافيتها.
وشدد على ضرورة تأطير هذا التحول بعدد من الضوابط الأساسية، أبرزها الحاجة إلى إطار قانوني واضح، يواكب التحولات التي باتت تعيد تعريف مفهوم الإدارة العمومية والقرار الإداري، بل وحتى دور الموظف العمومي.
كما دعا إلى ضمان وضوح ومقروئية الخوارزميات المعتمدة في اتخاذ القرار، حتى تكون قابلة للفهم والتفسير من طرف المواطنين، مع التأكيد على أهمية الشفافية في المعايير التي تقوم عليها هذه الأنظمة، لتفادي ما وصفه بـ”التحيز الخوارزمي”.
وأكد أيضا على ضرورة الإبقاء على الرقابة البشرية في مسار اتخاذ القرار الإداري، وعدم تحويله إلى عملية تقنية خالصة، مع فتح المجال أمام المواطنين لإبداء آرائهم والطعن في القرارات المبنية على أنظمة رقمية.
كما شدد على أن المسؤولية النهائية عن القرار الإداري يجب أن تظل على عاتق الإدارة، بغض النظر عن الجهة التي طورت الأنظمة الرقمية أو صممت خوارزمياتها.
الذكاء التقني لا يعوض البعد الإنساني
وفي نهاية حديثه، اعتبر حسن طارق أن الإدارة، رغم حاجتها إلى الذكاء الاصطناعي، تظل في حاجة ماسة إلى ما سماه “الذكاء الإنساني والأخلاقي”، مؤكدا أن قيما أساسية مثل الإنصات والإنصاف والضمير المهني لا يمكن اختزالها أو ترجمتها بشكل كامل داخل أنظمة تقنية.
وخلص إلى أن نجاح ورش التحول الرقمي في الإدارة العمومية يظل رهيناً بقدرته على تحقيق التوازن بين النجاعة التقنية والعدالة المجالية، بما يضمن خدمة المواطن دون إقصاء أو تمييز.