43 معلما كناويا وموسيقيون من أربع قارات.. الصويرة تحتفي بلغة العالم المشتركة

خديجة قدوري

منذ الساعات الأولى لانطلاق فعالياته، ارتدت الصويرة حلتها الموسيقية، وامتلأت ساحاتها وأزقتها بإيقاعات كناوة التي ترددت بين أسوار المدينة العتيقة، في مشهد امتزجت فيه الألوان بالأصوات، والحركة بالذاكرة. وجابت تشكيلات معلمي كناوة، القادمين من مختلف جهات المملكة، شوارع المدينة، كل يحمل بصمته الفنية وأسلوبه الخاص، في لوحة نابضة بالحياة جسدت ثراء هذا التراث وتنوع مدارسه، وسط تفاعل جماهيري كبير رافق تفاصيل هذه اللحظات الاحتفالية.

ومع توالي الفقرات الفنية، تحولت فضاءات المهرجان إلى ملتقى بين التراث الكناوي وموسيقات العالم، حيث التقت الإيقاعات المغربية بتجارب موسيقية قادمة من ثقافات مختلفة، في حوارات فنية صنعت لحظات استثنائية. وبدت الصويرة، منذ اليوم الأول، مدينة تنبض بالموسيقى والانفتاح، تستقبل زوارها بإيقاع كناوة الذي يواصل تأكيد حضوره باعتباره لغة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.

حين تتحدث الموسيقى بلغة الحوار

في هذا الصدد، كشفت نايلة التازي، منتجة ومؤسسة مهرجان "كناوة وموسيقى العالم" أن الدورة الجديدة من مهرجان كناوة وموسيقى العالم تستقبل 43 معلما كناويا من مختلف جهات المملكة، إلى جانب مئات الفنانين والموسيقيين القادمين من إفريقيا وأوروبا وآسيا والأمريكيتين والعالم العربي، يحملون معهم أصواتهم وقصصهم وتقاليدهم لكتابة فصل جديد من حكاية بدأت من الصويرة، وتحولت اليوم إلى موعد دولي ينتظره عشاق الموسيقى من مختلف أنحاء العالم. وأوضحت أن ما يجمع كل هؤلاء في الصويرة يتجاوز الموسيقى في حد ذاتها، إذ يشكل المهرجان فضاءً للحوار والتبادل الثقافي والإنساني، حيث تلتقي الذاكرات والتقاليد والرؤى في تجربة تحتفي بالتنوع والانفتاح.

وفي ما يتعلق بالرسالة التي يحملها المهرجان، أكدت نايلة أن ما يجمع المشاركين لا يقتصر على الشغف بالموسيقى، بل يقوم على إيمان عميق بأن اللقاء ممكن، وأن الاختلاف ليس عائقًا، وإنما فرصة للتعارف والتبادل. وأوضحت أن المغرب، ومن خلال مدينة الصويرة، اختار أن يبعث إلى العالم رسالة مفادها أن الحوار ليس مجرد فكرة أو شعار، بل تجربة مغربية أصيلة وحية، تُترجمها المدينة والمهرجان عامًا بعد آخر. وأضافت أن الشباب يظل، كما كان عليه الحال منذ 17 سنة، القوة الحقيقية التي تحمل هذه الرؤية، وتجسد قيم الانفتاح والتعايش والإبداع.

من صون التراث إلى صناعة المستقبل

وفي حديثها عن دور الأجيال الجديدة، أكدت نايلة أن الشباب ظل، على مدى 17 سنة، القوة الحقيقية التي تمنح مهرجان كناوة وموسيقى العالم مزيدًا من التألق والإشعاع. وأضافت أن هذا الجيل يعتز بهويته، ويعيش في توازن بين الجذور والانفتاح، وبين الذاكرة والطموح، وبين المحلي والعالمي، كما يتنقل بسلاسة بين اللغات والثقافات والفضاءات، ويبتكر باستمرار سبلًا جديدة للعيش المشترك وصناعة المستقبل.

وأشارت إلى أن معلمي كناوة نجحوا في صون هذا التراث وإشعاعه على الساحة العالمية، كما تمكنوا من نقل المشعل إلى جيل جديد من الفنانين، بما ضمن استمرارية هذا الإرث الثقافي وتجدد حضوره. وبفضل هذه الدينامية، أضحت الصويرة مرجعًا ثقافيًا عالميًا، ومدينةً للمستقبل تحتضن الحوار والإبداع والتنوع.

وخلصت نايلة إلى أن مهرجان كناوة وموسيقى العالم يواصل ترسيخ رهانه على التكوين ونقل المعرفة، مشيرة إلى أن كلية بيركلي للموسيقى، إحدى أبرز المؤسسات الموسيقية في العالم، تواصل للسنة الثالثة على التوالي شراكتها مع المهرجان من خلال برنامج تكويني استثنائي يحتضنه فضاء الصويرة، ويجمع موسيقيين قادمين من 24 دولة.

وأكدت أن هذه المبادرة تجسد إيمان المهرجان بأن مستقبل الموسيقى لا يكمن فقط في الاحتفاء بالتراث وصونه، بل أيضًا في الاستثمار في الشباب، ومنحهم فرص التعلم والتجريب والإبداع وتحويل أحلامهم إلى مشاريع فنية قادرة على صناعة المستقبل.

وهكذا، لا يواصل مهرجان كناوة وموسيقى العالم الاحتفاء بتراث موسيقي عريق فحسب، بل يرسخ عاما بعد آخر مكانته كفضاء عالمي للحوار والتبادل الثقافي، يجمع بين صون الذاكرة والانفتاح على المستقبل. وبين إيقاعات كناوة، وتلاقي الثقافات، والاستثمار في الأجيال الجديدة، تؤكد الصويرة مرة أخرى قدرتها على تحويل الموسيقى إلى لغة إنسانية مشتركة، وإلى جسر يعبر الحدود، ويجعل من الاختلاف مصدرا للإبداع واللقاء.