وزير الأوقاف يعتبر التعامل المالي بالفوائد "مقبولا شرعا من حيث المقاصد"

محمد فرنان

شدد أحمد توفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، على أن "التعامل المالي بالفوائد على القروض يتعلق بالتشرع، أي التعاقد والتراضي الكفيل بالعدل، أكثر مما يتعلق بالتعبد، والعدل يقتضي ألا تتحول الضرورة إلى فرصة حيف وإجحاف بالمقترض، وهذا ما يستدعي تدخل الإمارة، ما استطاعت، لحماية المال بقواعد ومؤسسات".

وأضاف، في كلمته خلال فعاليات المنتدى الـ23 حول الاستقرار المالي للمؤسسات المالية الإسلامية، صباح اليوم، أنه "في السياق المغربي، طرحت مسألة "المالية الإسلامية"، وانضم إليها المغرب على أساس أن المعاملات الأخرى مقبولة شرعا من حيث المقاصد وبالنظر إلى بعدها التعاقدي، أما هذه العمليات المستمدة من تاريخ المعاملات الفقهية فقد تم الترحيب بها بشرط تسميتها عندنا بـ"المالية التشاركية"، حتى لا تختص بوصف "الإسلامي" ويستنتج منطقيا أن غيرها ليس بإسلامي أو هو مخالف للإسلام".

وتابع: "لا تستغربوا إذا قلت لكم إن صلتي النظرية بهذا الموضوع، موضوع القروض المالية، ترجع إلى أبعد من نصف قرن، ذلك أنني في تدريسي لتاريخ اليونان في الجامعة، في أوائل أعوام السبعين من القرن الماضي، كان من النصوص التي كنت أقترحها على الطلبة نص من كتاب "السياسة" لأرسطو، عنوانه: "النقود لا تلد"، وكان سياق نزوله هو موقف هذا الفيلسوف بخصوص استنكار القروض التي كان التعامل بها في المجتمع الأثيني، قروض كانت فوائدها أضعافا مضاعفة، وكان العرف المكرس هو أن عجز المدين عن الرد في الأجل يوقعه تحت طائلة الاستعباد للدائن".

وأوضح أنه "كلما أعدت قراءة هذا النص في ضوء ما نزل به القرآن الكريم بعد ألف عام بخصوص النهي عن الربا أضعافا مضاعفة، فهمت أن المقصد هو رفع الظلم في مسألة القروض، وهي توشك أن تكون ضرورية من ضروريات الحياة".

وشدد على أن "الإسلام نظام متكامل، لا يفهم جزء منه إلا في إطار النسق الشمولي الذي يقدمه القرآن عن الإنسان والحياة، والمال بنية في هذا النسق لا يتضح أي عنصر منها إلا في ضوء المبدأ الأساس، وهو التوحيد المؤسس لمعنى الحياة، والمتضمن للعدل، وذلك في علاقة بالعناصر الأخرى التي توضح موقع المال ووظائفه، فالمال في القرآن وسيلة في غاية الخطورة والأهمية، فهو للتداول وليس للكنز، وهو للإنفاق في الخير الاجتماعي خاصة، كالإنفاق على ذوي القربى واليتامى وأداء حق السائل والمحروم".

ونبه إلى أنه "إنفاق ذو أثر إيجابي على المنفق، إذ يزكيه، أي يحرره من الشح، الذي هو الطمع في ما بيد الغير، وهو أسوأ ضروب الأنانية. والمال نعمة وزينة، ولكنه قد يكون ابتلاء وفتنة، وهو من الحاجات الضرورية للملك، أي الدولة، ينبغي التصرف فيه بقواعد تحمي المتعاملين من الباطل والعدوان، معاملة يضاعف الله أجرها، وهي في نفس الوقت تحمي المنفق من الخوف والحزن. نظام يحمي رؤوس الأموال من حيف أطراف التعامل في التجارات، ما جرت عن تراض، وهو أمانة لا يجوز أن يعهد بها إلى السفهاء، ولا يجوز أن يترتب عن اكتسابه العجب المؤدي إلى وهم الاستغناء المفضي إلى الطغيان. ومن هنا، لا يجوز أن يترك الإنسان يفعل في المال ما يشاء خارج مقصد العدل والمعروف، ومما ينبغي استحضاره عدم إتاحة الفرصة للشراكة في المال مع الشيطان، ولذلك وجب الحرص على الاعتدال في حب المال حتى لا يلهي عن ذكر الله، أي عن استحضار حقيقة علاقة المخلوق بالخالق".

وأبرز أنه "لقد كان للمسلمين إسهام في العلم والحضارة المادية، وكانت لهم علاقات تجارية مع أطراف العالم، وابتكروا وسائل للمبادلات المالية، وواكب تقعيدهم الفقهي معاملاتهم، وأبدعوا في فقه النوازل المتعلقة بالأموال، غير أنه منذ القرن التاسع عشر، تسارع لقاء تاريخين: تاريخ العالم الغربي وتاريخ العالم الإسلامي، وحيث إن هذا اللقاء قد اتسم بأنواع من العنف المادي والمعنوي، فقد تفاوتت التفاسير والتأويلات، واختلفت المواقف في ما يخص علامات التميز ومواطن جواز التقليد أمام مظاهر الإغراء. فلم تكن للمسلمين الخيرة في الاقتباس الإرادي أو الاضطراري، منقادين لعدد من أحوال العالم الغازي، ومن أبرزها إقامة الأبناك والتعامل معها، لا سيما في مسألة القروض وفوائدها، وظهرت هذه المسألة وكأنها مدار الفرقان بين نظامين، من منطلق القائلين بأن كل فوائد الأبناك تدخل في الربا المحرم".

وأشار إلى أن "الواقع أن المسلمين لم يغادروا شيئا إلا اقتبسوه من الحضارة الغربية، وعزا عدد من المفكرين المتبصرين تخلف المسلمين إلى ضعف التعليم، وضعف التربية على النظرة الشاملة للحرية بالتوحيد وإقامة العدل. وكان من هؤلاء المفكرين شكيب أرسلان ورشيد رضا في النصف الأول من القرن العشرين، وكان منهم العالم الباكستاني فضل الرحمن في النصف الثاني من هذا القرن، وهو الذي قام بتحليل ميز فيه بين الربا وبين فوائد الأبناك، وأفتى حكومته بأن التغلب على مسألة الربا يتوقف على تنمية الاقتصاد حتى تضيق الشقة بين العرض والطلب. غير أن بعض التيارات السياسية في الشرق الأوسط حسبت أن قضية النظام البنكي هو الذي يصلح لأن يكون عنوان الاختلاف الأعظم مع الغرب، ويصلح بذلك ليكون شعار التعبئة لنظام سياسي مأمول وصف بـ"الإسلامي"".

وأورد أن "تاريخ المغرب التقى بتاريخ الغرب بوتيرة جديدة منذ القرن التاسع عشر، ولكن المغرب تميز في نظامه السياسي، وإلى يومنا هذا، بالمحافظة على البيعة لإمارة المؤمنين. بيعة في عقد مكتوب درجت عليه الأمة لأزيد من ألف عام، فهي عقد تبيع به الأمة المشروعية السياسية لإمامها الذي هو أمير المؤمنين، مقابل التزام المبايع بالاجتهاد في حفظ الكليات الشرعية الخمس، وهي: أولا، حفظ الدين، أي حفظ الإيمان بالتوحيد كمرجع لمعنى الحياة. ثانيا، حفظ النفس، أي ضمان أمن الناس من عدوان الداخل والخارج. ثالثا، حفظ العقل، أي المعروف في إطار ما يسمى اليوم بالنظام العام. رابعا، حفظ المال، أي العدل في التملكات والاستحقاقات مع ممارسة الحسبة ومراقبة الأسواق. خامسا، حفظ العرض، وينطبق على حفظ كرامة الإنسان في بعدها الاجتماعي والأخلاقي. وهذه الكليات تغطي، على الإجمال، كل ما تنص عليه الدساتير الحديثة وتزيد عليها بالنص على حفظ الدين".

وأفاد أنه "على امتداد التاريخ، كانت توقع على عقد البيعة في مختلف حواضر المغرب وقبائله فئات عديدة، على رأسها أهل النسب الشريف، والعلماء، والأعيان، وشيوخ الزوايا، وأمناء التجار والصناع، ورؤساء العساكر. أما في الوقت الحاضر، فإن رؤساء المنتخبين هم الذين يجددون البيعة كل عام بمناسبة عيد العرش. والمستخلص من كل ما ذكر، أن المغرب أخذ بكل أساليب الحكامة والعدل، وواكبها بقوانين تنبني على المصلحة، ما لم تتناقض مع أي نص قطعي في الشريعة".

وأشار إلى أنه "لم يراع في هذا الصدد ما يفيد أن فوائد الأبناك، على العموم، تدخل في الربا المحرم، بمعنى أن مئات القوانين والمراسيم التي تصدر عن الحكومة كل عام، تصدر باسم المصلحة، وحيث المصلحة فثمة شرع الله، وعلى سبيل المثال، فالورش الملكي الجاري المتعلق بمراجعة مدونة الأسرة يتضمن أربعمائة مادة، لم يتطلب الأمر استشارة المجلس العلمي إلا في أقل من عشرين مادة، من بينها ما يتعلق بمبادئ ونصوص قطعية، علما بأن الرأي الشرعي حتى في هذه القضايا سيحتاج في بلورة التطبيق إلى عدد من الاجتهادات القانونية المراعية للسياق ولعدد من الحيثيات الاجتماعية والميدانية".