"أمريكا من خارح الصندوق"/3: دولة تنتج السجائر ليستهلكها العالم.. شعب يمنعها داخل وطنه

أحمد مدياني

الولايات المتحدة الأمريكية - أحمد مدياني

عام 1999 أنتجت "هوليود" واحدة من روائع إنتاجاتها الدرامية الواقعية: "The Insider". فيلم يحكي قصة جيفري ويغاند، وهو عالم كيمياء حيوي، هز نشأة شركات التبغ، رغم كل التهديدات التي تعرض لها.

ما اعترف به جيفري، لم يأت هكذا بسهولة ليسمعه كل المجتمع الأمريكي عبر شاشة "CBS". احتاج المنتج الصحافي لويل بيرغمان، حينها، أشهرا ليجهز مرور عالم الكيمياء في برنامج "60 دقيقة"، دون أن يتعرض المصرح والصحافيون والمعدون والقناة للملاحقة القضائية، إذ كانت حينها شركات صناعة السجائر تملك قوة ونفوذا لا حدود لهما.

حين لاحظتُ عداء المجتمع الأمريكي للسجائر، سألت لماذا؟ يقولون إنه ما بعد الجلسة الشهيرة ضد العالم ويغاند بولاية ماساتشوستس، ليس كما قبلها.

وبعد بث فيلم "The Insider" تضاعف الموقف ضد التدخين بشكل فاق كل التوقعات.

ويغاند كان يشتغل لصالح إحدى كبريات شركات التبغ التاريخية، هي: "Brown & Williamson". قدم استقالته بعد سنوات من العمل لصالحها، ثم قرر أن يفضح من يملكونها رفقة المسؤولين عنها لكونهم أخفوا عن المجتمع الأمريكي أن مادة "النيكوتين" تسبب الإدمان.

حين وصلت تسريبات عن قرب فضح ما أخفته الشركة، انطلقت حملة ضد عالم الكيمياء، مست كل جوانب حياته، حتى تلك الخاصة جدا من حياته، من أجل كبح مروره في البرنامج الصحفي الاستقصائي.

تعرض لحملة مفاوضات، إغراءات، ثم ضغوط، بعدها تهديدات... وأيضا حملات إعلامية ممنهجة لتشويه سمعته... ورغم كل ذلك، خرج أمام الكاميرا، وفضح ما كانت تخفيه صناعة التبغ.

مخرج الفيلم، مايكل مان، أعاد بحبكة عالية إحياء معركة قضائية لمنع شهادة تاريخية، بدأت عام 1995 ووصلت سقف ذروتها عام 1998. ثلاث سنوات انتهت حينها بتوقيع ما يعرف إلى اليوم بتسوية "MSA" بين شركات التبغ و46 ولاية أمريكية.

ما هو الواقع اليوم؟

نادرا ما تشاهد مواطنا أمريكيا يدخن السجائر.

التدخين ليس ممنوعا فقط داخل الفضاءات المغلقة، بل مرفوضا حتى عند شرفات المطاعم والمقاهي و"البارات". تحتاج رخصة خاصة من سلطات المدينة أو الولاية، والتي يصعب الحصول عليها، لكي تسمح للزبناء الذين يجلسون عند طاولات محلك في الفضاء المفتوح بإشعال سيجارة واحدة.

وحتى إن كنت تتوفر على الرخصة، إن رفض من يجلس قربهم، يجب أن تطلب من المدخن التوقف عن ذلك أو يغادر.

يقول الأمريكيون: "فرضنا على شركات التبغ الاستثمار في صناعته ومراكمة الثروة منه لأجل أمريكا... لكن تسهيل إدمانه محرم داخل ترابها...".

أقوى مفاجأة عشتها هناك بالولايات المتحدة الأمريكية، أن المنتج الجديد لشركة "فيليب موريس إنترناشيونال" التي تروج السجائر في أكثر من 180 دولة حول العالم، غير مرخص إلى اليوم هناك، يمنع بيعه، وهناك تشدد في ولوجه للتراب الأمريكي.

إنه منتج "أيكوس" (تدخين التبغ الخالص المُحترق) الذي يحتل منذ سنوات رفوف محلات بيع السجائر وشقيقاتها في إفريقيا وآسيا وأوروبا، لكن في أمريكا، ممنوع.

حين ستسافر إلى "USA" استعد للابتعاد عن حيث تقيم أو تجلس 100 متر، قبل إشعال سيجارة. ويمكن أن يمنعك أحدهم من ذلك في الفضاءات العامة المفتوحة ويجب أن تنضبط لطلبه أو ستواجه مساءلة قانونية.

في أمريكا، حيث العاصمة العالمية لأسياد إنتاج السجائر وترويجها، يقابل ذلك شعب يرفضها، بل يكرهها ويحاربها.