"أمريكا من خارج الصندوق"/4.. هنا أنت ما تفعله!

أحمد مدياني

الولايات المتحدة الأمريكية - أحمد مدياني

"The earlier you start working, the earlier you start learning"... "كلما بدأت العمل مبكرا، بدأت التعلم مبكرا"... مقولة تلخص واحدة من ركائز كيف استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون دولة عظمى، رقعة جغرافية تختلف عن العالم كله، خزان موارد بشرية تتسابق منذ الصغر على فرص إنتاج فائض القيمة.

عند ضفاف نهر "ديلاوير"، مساء، كان الجو حارا، اخترنا طاولة في شرفة الطابق الأول، كل التفاصيل تجعلك تعيش النمط الأمريكي في الجلوس داخل مكان يسهر على راحة رواده.

من يخدمهم؟ شباب ويافعون.

عند الأمريكان، أول شيء يوضع على طاولتك أكواب الماء مع الثلج. اكتشفت هناك، أنهم يعشقون الثلج أكثر من أي شيء آخر. وكأنهم يؤكدون أنهم عكس الصينيين تماما حتى في درجة حرارة شرب المياه.

بملامح طفولية، ونبرة صوت هادئة لا تكاد تسمع، قالت: "مرحبا أنا ليلي، سوف أخدمكم طيلة الجلسة، إن احتجتم أي شيء سأكون رهن إشارتكم".

ما إن أنهت كلمات الترحاب وطلب ما نود شربه وأكله، تساءلتُ بصوت مرتفع متوجها بالكلام إلى رفيق اكتشاف أمريكا مصطفى: "هذه البنت لا يتجاوز سنها 18 عاما؟!"

أجاب: "نعم، قد يكون سنها ما بين 16 و17 سنة، هناك قوانين تسمح لليافعين بالعمل في أمريكا، بل تحفزهم على ذلك، والأسر تجبر الأطفال على الخروج مبكرا للبحث عن فرص الشغل حتى خلال أيام الدراسة".

هنا، بدأت البحث والتقصي حول القوانين المنظمة لعمل الأطفال واليافعين في الولايات المتحدة الأمريكية. وجدت اختلافات بين كل ولاية على حدة، لكن القاسم المشترك بينها أنها تضبط وتحفز وتشجع، بتشريعات واضحة، عمل حتى الأطفال ما دون الـ14 سنة، مع فرض بعضها الحصول على ترخيص بالعمل صادر إما عن المدرسة أو والدي الطفل.

نعم، يمكن لطفل لم يبلغ بعد سن الـ14 العمل بشكل قانوني في توزيع الصحف، أو داخل مزارع في ملكية عائلته، أو أي نشاط آخر مرتبط بها.

أما المراهقون الذين يبلغون ما بين 14 و15 سنة، فيمكنهم، خلال أيام الدراسة، العمل 3 ساعات في اليوم، على أن لا تزيد ساعات عملهم عن 18 ساعة في الأسبوع.

وخلال العطل المدرسية، يسمح لهم برفع ساعات العمل إلى 8 ساعات في اليوم، بشرط أن لا تزيد عن 40 ساعة في الأسبوع. ويسمح لهم بالعمل فقط بين الساعة 7 صباحا و7 مساء، وتُمدد إلى التاسعة مساء خلال فصل الصيف.

حين تأملت هذه المعطيات، وأنا أتفحص المكان حيث نجلس بأعين الراصد الآن وليس الزبون، اكتشفت من خلال الوجوه وجود الكثير من اليافعين حولنا.

"إنها العطلة أستاذ أحمد، كلشي خاص يخرج يخدم، قبل ما يفكر يسافر ولا يرتاح في دارو"، يقول الصديق مصطفى، قبل أن يضيف: "أغلب شباب أمريكا يمولون سفريات عطلهم من مكاسب عملهم الخاص، هنا، يربون منذ الصغر على عدم الاتكال على الأسرة أو الدولة".

هل هم في حاجة للعمل من أجل العيش؟

الجواب: لا. هم في حاجة إليه لاكتساب المواطنة الأمريكية الحقيقية، حيث من لا يعمل لا يعيش.

فجأة، قفز تساؤل آخر مرده تدقيق الهويات قبل ولوج أي فضاء تقدم فيه المشروبات الكحولية، مهما كان شكلك، وإن زحف الشيب والتجاعيد على رأسك ووجهك، تطلب منك هوية تؤكد بلوغك سن الـ18 وفي أماكن أخرى سن الـ21.

أعتقد أنكم عرفتم عمّ سوف أسأل؟

نعم!

كيف يمنع ولوج من هم دون سن الرشد هنا، وفي الوقت نفسه يسمح لهم بالعمل فيه؟!

عدت للبحث في القانون، وهذه المرة ما يهم مدينة فيلادلفيا التابعة لولاية بنسلفانيا. هنا يمكن لليافعين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 16 و17 سنة العمل في أماكن تقدم المشروبات الكحولية، لكن بشروط، والمراهقة ليلي واحدة منهم.

بماذا يسمح لهم القانون؟

يعطيهم حق العمل في المطبخ وتنظيف الطاولات واستقبال الزبائن وتقديم الطعام، مع منعهم من أي تعامل مباشر مع المشروبات الكحولية، سواء أكانت الكؤوس والقنينات ممتلئة أو فارغة.

"هكذا بني الحلم الأمريكي الحقيقي" يستطرد مصطفى وهو يفرد ذراعيه للسماء، منتشيا بأنه اليوم جزء منه. ومرددا: "إذا أعطيت كل شيء لأمريكا، تعطيك هي كل شيء وأنا أعطتني كل ما أعطيتها".

وقع هذه الكلمات علي جعلني أسافر إلى المغرب، أتأمل حالنا. كيف أصبح أطفالنا ويافعونا، وحتى الشباب والكهول منا، يرون في الدراسة والعمل مضيعة للوقت لا غير.

كيف بدأت تترسخ فكرة أنه "ما يفيق بكري غير الحمار، ولي نعسو بكري مالهم طفروه".

في مطعم آخر التقيت شابة بملامح فاتنة جدا، تكاد عروق مجرى الدم تظهر من شدة بياض بشرتها. تعمل نادلة هنا، وفي الجهة المقابلة، يرافق خليلها فرقة موسيقية تجوب الحانات والمطاعم، للعزف مقابل ما يقدمه المستمتعون بفنهم من دولارات.

تحدثت لنا عن خليلها بفخر. أغلب هؤلاء طلبة جامعيون، ينتظرهم، مستقبلا، العمل بكبريات الشركات والمؤسسات، لكنهم يستغلون أيام العطل ونهاية الأسبوع لتعلم خلق القيمة المضافة، عوض انتظار الوظيفة القارة.

ماذا عن واقع الحال عندنا؟

لا مقارنة مع وجود كل تلك الفوارق التي عشت... مع ذلك يمكن اقتراف بضع كلمات جاءت نتاج عاصفة ذهنية من مستوى الشارة الحمراء...

عندنا من يملكون فرص الشغل يكرهونها... عندنا ينتظرون أن يتغير واقعهم دون أن يحاولوا حتى الفعل في طريق الوصول للتغيير... عندنا، حين وضعنا قانون منع تشغيل القاصرين ركزنا على كيف سينظر إلينا العالم، عوض كيف يجب أن نكون مستقبلا... عندنا لا نحن طبقنا القانون كما يجب ولا نحن مكنا الناشئة من خوض التجارب مبكرا بضوابط تحميهم...

وبالعودة إلى هناك، عندهم: "In America, you are what you do"... "في أمريكا، أنت ما تفعله!"