في مستهل المشاورات السياسية المرتبطة بالتحضير المبكر للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، عقد وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، أول لقاءاته مع قادة الأحزاب السياسية، حيث برزت مسألة رفع نسبة المشاركة الانتخابية كأحد أبرز التحديات المطروحة على طاولة النقاش، هذا اللقاء يأتي في سياق تتصاعد فيه "مؤشرات العزوف"، وتطرح فيه أسئلة جوهرية حول قدرة العملية السياسية على استعادة ثقة المواطنين، لاسيما الشباب.
في هذا السياق، قال سمير الباز، المحلل السياسي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، إن "السؤال المركزي مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 لا يتعلق بمن سيفوز أو يتصدر النتائج، بل بما إذا كانت هذه الانتخابات ستنجح في استعادة ثقة المواطن المغربي في العملية السياسية من الأساس".
وأضاف المتحدث ذاته، أن "بعد ثلاث محطات انتخابية كبرى أعقبت دستور 2011، نلاحظ اليوم مؤشرات مقلقة على تآكل الرصيد الرمزي للفعل السياسي، وتراجع الأثر التعبوي للأحزاب التقليدية، مقابل تمدد لامبالاة سياسية عميقة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، خصوصا في صفوف الشباب".
وأشار إلى أنه "بحسب تقرير Afrobarometer لسنة 2025، فإن الثقة في البرلمان لا تتجاوز 25 في المائة، في حين لا يثق أكثر من 78 في المائة من الشباب (ما بين 18 و34 سنة) في الأحزاب السياسية، وفقا لدراسة "Citoyens"، كما أن نسبة الثقة في الحكومة لا تتعدى 22 في المائة، حسب أحدث موجة من استطلاعات Arab Barometer (2024)".
وأورد أن "نسبة المشاركة في انتخابات 2021 لم تتجاوز 50.18 في المائة، رغم اعتبارها الأعلى منذ سنة 2002، لكنها استفادت من تزامنها مع الانتخابات الجماعية، أما اليوم، ومع غياب هذا التزامن في انتخابات 2026، فتطرح مخاوف جدية داخل مؤسسات الدولة من تراجع أكبر في نسب التصويت، خصوصا في المدن الكبرى، وهناك وعي حقيقي داخل دوائر القرار بصعوبة المرحلة، وبأن تعزيز المشاركة لا يمكن أن يتم فقط عبر حملات توعوية أو إجراءات إدارية، بل يتطلب مراجعة عميقة لمسارات الوساطة السياسية وتجديد بنية العرض الحزبي برمته".
وتابع أن "الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بأداء الحكومة أو المعارضة، بل هي أزمة بنيوية في التمثيلية والوساطة الحزبية. فالأحزاب، على اختلاف مواقعها، تجد صعوبة متزايدة في تأطير المواطن أو إقناعه بجدوى المشاركة، كما أن الانطباع العام يفيد بأن التناوب الحزبي لم يعد يحمل تغييرا ملموسا في السياسات أو الأوضاع المعيشية".
وشدد على أن "الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ "التدبير الحكومي بدون سياسة"، حيث تهيمن على الخطاب الحكومي نبرة تقنوقراطية، تقدم فيها الإنجازات بمنطق تقني، مثل تهيئة تنظيم كأس العالم 2030، بينما يغيب التصور السياسي الشامل الذي يربط بين الإنجاز والمواطنة والتعاقد الديمقراطي".
وأكد أن "رهان انتخابات 2026 لن يكون فقط في إقناع الناس بالتصويت، بل في إقناعهم بأن صوتهم له أثر ومعنى. وإذا فشلنا في ذلك، فإن العملية الانتخابية ستفقد عمقها السياسي، وتتحول إلى مجرد بروتوكول إداري لإعادة ترتيب المشهد السياسي دون تغيير حقيقي في قواعد اللعبة".
وأوضح أن "المطلوب اليوم ليس فقط برامج انتخابية أكثر إقناعا، بل خطاب سياسي جديد، صادق، ومتجدد، يعترف بوجود أزمة ويقترح بديلا فعليا، يقوم على تجديد النخب ودمقرطة القرار، لا تدوير المواقع والوجوه".
وأبرز أن "على الدولة نفسها أن تنخرط بوعي ومسؤولية في هذا التحول، من خلال ضمان شروط التنافس الحر، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية، واحتضان طاقات جديدة تعبر عن نبض المجتمع، بدلا من الاكتفاء بخطاب الإنجاز وشرعية الأرقام. إن الدولة، وقد أبدت في محطات عدة إدراكا استباقيا للتحولات الاجتماعية، مدعوة اليوم إلى ترجمة هذا الوعي إلى خطوات ملموسة تعيد الاعتبار للفعل السياسي وترمم الثقة بين المواطن والمؤسسات".
وشدد على أن "العزوف الانتخابي، إذا ترك دون قراءة عميقة ودون استجابة مؤسساتية، لن يبقى مجرد موقف صامت، بل قد يتحول تدريجيا إلى شرخ خطير بين الدولة والمجتمع، لذلك، فإن التجديد السياسي لم يعد ترفا فكريا أو نقاشا نخبويا، بل ضرورة وطنية عاجلة لحماية التماسك المجتمعي ومصداقية المؤسسات".
المشاركة في الانتخابات التشريعية بالأرقام:
شهدت العقود الأولى بعد الاستقلال نسب مشاركة مرتفعة، تعكس حماسة الانخراط في بناء المؤسسات السياسية للدولة الحديثة، ففي أول انتخابات تشريعية جرت في ماي 1963، بلغت نسبة المشاركة حوالي 71.9 في المائة.
واستمرت هذه المعدلات المرتفعة في انتخابات 1977 التي سجلت نسبة قياسية بلغت 82.3 في المائة، وكذلك في انتخابات 1984 التي وصلت فيها المشاركة إلى 67.4 في المائة.
ومع بداية الانفتاح السياسي الذي قاد إلى حكومة التناوب، سجلت انتخابات 1997 نسبة مشاركة بلغت 58.3 في المائة.
لكن مع مطلع الألفية الجديدة، بدأ مسار تراجعي مقلق، حيث انخفضت النسبة إلى 51.6 في المائة في انتخابات 2002، لتصل إلى أدنى مستوى تاريخي لها في انتخابات 2007 بنسبة 37 في المائة فقط، وهو ما فسر آنذاك كدليل على تزايد عزوف المواطنين عن السياسة.
مع التحولات التي جاء بها دستور 2011، بدأ مؤشر المشاركة في التعافي بشكل تدريجي، ففي انتخابات نونبر 2011، التي جرت في سياق "الربيع العربي"، ارتفعت النسبة إلى 45.4 في المائة، لكنها عادت لتتراجع قليلا في انتخابات 2016 مسجلة 43 في المائة، إلا أن انتخابات 8 شتنبر 2021 شكلت نقطة تحول بارزة، حيث قفزت نسبة المشاركة بشكل ملحوظ لتصل إلى 50.35 في المائة.
ويعزى هذا الارتفاع بشكل كبير إلى تزامن الانتخابات التشريعية والجهوية والجماعية في يوم اقتراع واحد، مما حفز الناخبين على المشاركة بشكل أكبر، وأعاد مؤشر الثقة في العملية الانتخابية إلى مستويات لم يشهدها المغرب منذ أكثر من عقدين.