بقلم: عبد العزيز الخبشي
من يقرأ الرسالة الأخيرة لوزير الداخلية عدد:1300 Cab بتاربخ:15 غشت 2025، والموجهة إلى الولاة والعمال حول إعداد جيل جديد من البرامج التنموية المندمجة الترابية، قد يظن أننا على مشارف ثورة في المقاربة التنموية بالمغرب، لكن الواقع يفرض الحذر: نحن أمام خطاب واعد، لكنه محمَّل بكثير من علامات الاستفهام التي تضعنا من جديد في مواجهة مأزق السياسة العمومية في بلادنا.
لا أحد يشك في أن جلالة الملك في خطاب العرش الأخير قد وضع الأصبع على الجرح عندما تحدث عن "مغرب بسرعتين": مغرب المستفيدين من الدينامية التنموية، ومغرب آخر يظل في الهامش، يقتات من الوعود ولا يظفر سوى بالفتات. لكن الإشكال أن ما تقدمه وزارة الداخلية يبدو أقرب إلى إعادة صياغة قديمة لبرامج سبق أن وُعِدنا بها، دون أن تجيب عن السؤال الأكثر إلحاحاً: من سيموِّل؟ وكيف؟
لقد عشنا تجربة "البرامج التنموية المندمجة" التي وُضعت بعناية في السابق، ولم يكن ينقصها سوى شيء واحد: المال. كانت البرامج محلية، بتشخيص محلي، وبإشراف وزارة الداخلية، لكن دون حضور وزارة المالية. النتيجة؟ فشل ذريع، مشاريع متوقفة، وأحلام معلقة. واليوم، نخشى أن يعيد التاريخ نفسه: تصميم جميل على الورق، وبلاغة رسمية، لكن بلا ضمانة مالية واضحة.
إننا نرى بوضوح أن وزارة الداخلية تريد أن تظل الآمرة الناهية في ملف التنمية، بينما وزارة المالية غائبة أو مُغيَّبة. كيف يمكن لبرنامج يطمح إلى تحقيق العدالة المجالية، وتوفير الشغل، وحل أزمة الماء، وتحسين التعليم والصحة، أن ينجح إذا لم يُوفَّر له غلاف مالي استثنائي؟ التنمية لا تتحقق بالشعارات ولا بالنوايا الحسنة، بل بالميزانيات المخصصة وبالقدرة على جلب التمويل.
الرسالة الوزارية، في لغتها، تحاول أن تقنعنا بأن الأمر مختلف هذه المرة: هناك "منهجية تشاركية"، "مقاربة مدمجة"، "حرص على عدم التسييس". لكن هذه المصطلحات سمعناها من قبل. في النهاية، غالباً ما تتحول المشاركة إلى إجراء شكلي، ويظل القرار بيد المركز، والمجتمع المحلي مجرد متفرج. ثم ماذا عن منع التوظيف الانتخابي لهذه البرامج؟ الواقع يعلمنا أن المشاريع التنموية في المغرب لطالما كانت ورقة انتخابية رابحة، تُستغل في الحملات وتُعرض كغنيمة حزبية. فهل تكفي رسالة تحذير لوقف هذا العبث؟
الأمر أخطر من ذلك. إذا استمرت وزارة المالية في لعب دور "الخازن" فقط، بدل أن تكون شريكاً استراتيجياً في التفكير والتخطيط، فإن هذه البرامج محكوم عليها بالتعثر. التنمية تتطلب إرادة سياسية، نعم، لكنها تحتاج أيضاً إلى جرأة مالية: إعادة هيكلة الأولويات في الميزانية، تعبئة الموارد الاستثنائية، وطرق أبواب التمويل الدولي بذكاء وندية.
إن الحديث عن "مغرب بسرعتين" لا يجب أن يبقى مجرد توصيف سياسي بليغ. هو إعلان صريح بأننا على حافة قطيعة مجتمعية: هناك من يركب قطار النمو، وهناك من يظل عالقا في محطة الانتظار. ولأن الفوارق المجالية صارت تتخذ طابعا بنيويا وخطيرا، فإن أي برنامج لا يواجه هذه الحقيقة بجرأة مالية وسياسية، لن يكون سوى تكرارا باهتا لفشل الماضي.
الحقيقة المُرّة أن المغاربة لم يعودوا يثقون في الخطابات الكبرى. المواطن يريد أن يرى مدرسة تفتح أبوابها وتشتغل بجودة، مستشفى يستقبله بكرامة، طريقا يربط قريته بالمدينة، ومشروعا يوفر له عملا. ما دون ذلك كلام جميل لا يسد جوعا ولا يطفئ عطشا. لهذا، يطرح السؤال الجوهري اليوم: هل نحن أمام بداية حقيقية لمرحلة جديدة في التنمية الترابية، أم أننا بصدد إعادة إنتاج نفس المسرحية؟ الجواب مرهون بمدى حضور وزارة المالية في قلب العملية.
إذا استمر غيابها، فلن تكون الرسالة الوزارية سوى حلقة أخرى من حلقات "التنمية الورقية"، حيث تبقى المشاريع حبيسة المراسلات، بينما الواقع يمشي بسرعتين، أو بالأحرى بسرعة واحدة: بطيئة حد الجمود.