إيمان الرازي تكتب: الزفزافي يُعَمِّدُ الجماهير بوحدة الوطن

تيل كيل عربي

بقلم: دة إيمان الرازي - أستاذة جامعية وفاعلة سياسية ونقابية

لا يمكن لأي متتبع حصيف لما جرى في الحسيمة خلال جنازة سي أحمد الزفزافي رحمه الله، والد ناصر الزفزافي، إلا أن يقر بأننا أمام لحظة فارقة في التاريخ الاجتماعي والسياسي ببلادنا، حيث بدت تلك الجنازة وكأنها تتجاوز معناها المأساوي الحزين الخاص لتتحول إلى مشهد وطني عام وجامع، يختزل في تفاصيله كل معاني المصالحة والاعتراف المتبادل بين الدولة والمجتمع، ويعلن في ذات الآن عن ميلاد مرحلة جديدة قوامها إدماج صوت الريف في نسق وطني أرحب.

فحضور ناصر الزفزافي، الخارج من أسوار السجن لعناق الحشود بلا قيود ولا أصفاد، جسّد رمزية لهذه اللحظة المفصلية، حيث لم يعد الرجل مجرد معتقل سياسي محكوم بعشرين سنة، لكنه في المقابل تحول إلى أيقونة للصمود، وفاعل سياسي ناضج يعكس حجم التحولات التي أصابته وأصابت قضيته على امتداد سنوات الاعتقال.

ولعل هذا المشهد لم يكن مجرد رخصة إدارية تمنح لكل المسجونين لحضور جنائز أحد الأصول أو الفروع، لكن في جوهره هو إعلان صريح بأن ثمة صفحة جديدة تكتب في العلاقة بين المركز والريف، وأن ما كان يُحسب بالأمس جرحا نازفا يمكن أن يتحول اليوم إلى جسر نحو مصالحة وطنية شاملة.

ناصر الزفزافي، ابن الريف الأبي، لم يخرج من السجن كما دخله مطلقا، لقد غادر وراءه تجربة قاسية صنعت منه رجلاً آخر أكثر صلابة ونضجاً، بدا شامخا، متماسكا، مفعما بالهدوء والرزانة، وهو بين حشود غفيرة ملتفة حوله في أصعب لحظات الفقد.

مشهد كهذا لا يمكن أن يمر دون أن يترك أثره العميق في الذاكرة الجماعية للريف وللوطن، لقد انعكست في صورته ملامح التحول السياسي الذي أفرزته تجربة الاعتقال الطويلة، لكنه صار بحق، فاعلا سياسيا يحمل وعيا وطنيا يعلو على الجراح، ويُعيد ضبط البوصلة تجاه قضايا العدل والحرية والكرامة في إطار وحدة الوطن، إذ تحدث الرجل من موقع التجربة المريرة، وألقى كلمته القوية من فوق سطح بيت والديه وكأنها وصية وطنية تتجاوز حزن الفقد إلى أفق الأمل، وتُعيد ترتيب الأولويات بما يجعل من مطالب الريف جزءاً لا يتجزأ من المطلب الوطني الجامع.

الكلمة التي ألقاها ناصر الزفزافي ليست تأبينا عابرا رنانا لوالده الراحل، لكنها كانت بيانا سياسيا وخطابا مكثفا، مشبعا بروح المسؤولية، ودالا على مراجعة فكرية وسياسية عميقة رفض من خلالها الرجل، بلطف وصرامة في آن، كل محاولات الركوب على قضية الريف من طرف تجار الأوهام الانفصالية أو دعاة العبث بشعارات من قبيل "عاش الكيف".

لقد أراد أن يقول بوضوح: إن جوهر الحراك كان اجتماعيا مطلبيا، وأنه لا يمكن تحريف مساره نحو مشاريع تقسيم أو تشتيت لا يملك أهل الريف فيها لا نية ولا مصلحة ولا هوية، بهذا المعنى، فقد أعلن الزفزافي، من قلب محنته، عن انخراط واعٍ في مشروع الوطن الجامع، مستجيبا بذلك لتطلعات الريف في الكرامة والتنمية، دون أن ينزلق إلى هاوية التمزيق أو التهييج، وهذه لحظة سياسية لا يمكن الاستهانة بها، لأنها ترسم أفقا رحبا لمصالحة ممكنة بين الدولة ومكونات الريف، وتفتح نافذة لدمج طاقة الاحتجاج في أفق البناء.

إن النضج السياسي الذي أبان عنه ناصر الزفزافي، وهو الذي لم يمر يوما بتأطير حزبي أو نقابي تقليدي، يكشف عن حقيقة جوهرية: أن الريف لم يكن يوما مشروعاً انفصاليا رغم كل ما مر عليه من شدائد ومحن، بل كان على الدوام خزانا وطنيا للمقاومة والالتزام، وهذا ما أكده الرجل في كلماته على ثوابته الوطنية، حين شدد على أن المغرب من طنجة إلى الكويرة وطن لا يُساوَم على وحدته، وأن الدفاع عن العدالة الاجتماعية لا يعني أبدا الاصطفاف ضد الدولة، لكنه السبيل الأمثل لتقويتها وتحصينها.

هذا بالضبط ما يجب أن يُقرأ بتمعن: أن الانتصار لقضايا الحقوق والحريات ليس تهديدا بتاتا، بل ضمانة للاستقرار، وأن الإقرار بشرعية المطالب الاجتماعية للريف لا يتعارض مع مصلحة الوطن، بل هو الطريق المعبد لبناء وطن أكثر عدلا وإنصافا وصلابة في مواجهة خصومه في الداخل والخارج.

ولعل ما زاد في قوة هذا المشهد هو الالتفاف الشعبي حول الزفزافي في الجنازة، وحالة الصبر التي أبان عنها وهو في ذروة الألم. لقد منحته الجماهير مناعة نفسية، كما وفرت له المؤسسات الرسمية حماية تعكس بدورها درجة عالية من الثقة المتبادلة.

هذا التداخل بين العفوي والمؤسساتي، بين الشعبي والرسمي، هو ما يجعل اللحظة ذات حمولة رمزية كبيرة: إنها لحظة اختبار للنظام السياسي وللمجتمع معا، فهل نملك الشجاعة لطي صفحة الجراح، وفتح أفق جديد لمصالحة تاريخية تجعل من الريف جزءا لا يتجزأ من مشروع وطني متجدد؟ أم أننا سنكرر خطايا الماضي بإقصاء الأصوات النقدية، والزج بها في خانة العداء للوطن؟ إن مستقبل العلاقة بين الدولة والريف يتوقف على الجواب عن هذا السؤال.

صحيح أن بعض المناوشات قد وقعت بعد الجنازة، استدعت تدخل قوات الأمن لاحتواء محاولات التشويش من طرف عناصر مأجورة أو منحرفة أو موجهة، لكن تلك الحوادث الصغيرة لا يمكن أن تلغي الصورة الكبرى التي طبعتها كلمات الزفزافي ورسائلها العميقة.

العبرة ليست في هوامش الفوضى، بل في جوهر الخطاب الذي حمله الرجل، وهو خطاب يعكس مراجعة ومسؤولية وإرادة واضحة في الانتصار للوطن وللمطالب الاجتماعية في آن، هنا بالضبط تكمن أهمية ما جرى: لقد تحولت مأساة الفقد إلى فرصة سياسية، وتحول ناصر من سجين إلى رمز سياسي وطني يمكن أن يشكل، إذا ما أحسن الإصغاء إليه، جسرا بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والهامش.

إن ما تحتاجه بلادنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو إدماج أصوات الريف ضمن النسق الوطني، لا باعتبارها أصواتا احتجاجية معزولة، لكن كقوة اقتراحية قادرة على إغناء التجربة الوطنية، فالمغرب الذي يتطلع إلى التنمية والعدالة لا يمكنه أن يتجاهل مناطق بأكملها أو يتركها عرضة للتهميش.

إن كان الزفزافي قد خرج من محنة السجن أكثر نضجا، فإن الدولة نفسها مدعوة إلى أن تخرج من محنة الاعتقال الجماعي أكثر حكمة، والمصالحة الحقيقية لن تتحقق إلا عبر إطلاق سراح بقية المعتقلين، وتمكينهم من العودة إلى حضن المجتمع، والمساهمة في استكمال مسيرة بناء دولة المؤسسات، عندها فقط يمكن القول إن دموع سي أحمد الزفزافي لم تذهب هدرا، وإن تضحيات الريف تحولت إلى رصيد وطني مشترك.

ناصر الزفزافي اليوم ليس مجرد اسم يثير الجدل أو التراند على محركات البحث، بل هو علامة فارقة على منعطف سياسي في مسار الوطن، لقد خرج منتصرا، يحمل من اسمه نصيبا وافرا، لأنه جسّد في كلماته أن الانتصار للحقوق لا يعني الهزيمة للدولة، بل هو الطريق الأمثل لتمنيعها، وأن معركة الحرية والكرامة والعدالة ليست معركة ضد الوطن، بل هي معركة من أجل وطن أقوى وأكثر عدلا وإنصافا واستيعابا لكل الأصوات.

ومن هنا فإن من واجب كل القوى الحية في البلاد أن تلتقط هذه اللحظة، وأن تعمل على ترجمتها إلى مشروع مصالحة تاريخية يعانق فيها الريف الوطن دون وسائط زائفة، ويتسع فيها الوطن لكل أبنائه دون إقصاء، ليخرج الزفزافي ومن معه للانخراط في دولة المؤسسات كما انخرط من سبقوهم ممن خبروا السجون والمنافي وهاهم اليوم يدبرون من داخل المؤسسات.