باتت ظاهرة إقدام عدد من أرباب المتاجر الصغيرة والمتوسطة على فصل الكهرباء عن أجهزة التبريد خلال الفترة الليلية تثير قلقا متزايدا لدى المستهلكين، في وقت تتنامى فيه حالات التسمم الغذائي الناجمة عن هذه الممارسات، خاصة بالنسبة لمشتقات الحليب.
ويلجأ بعض التجار إلى هذا السلوك بهدف تقليص فاتورة الاستهلاك الكهربائي، غير أن ذلك يحمل في طياته مخاطر حقيقية على صحة المستهلكين وجودة المواد الغذائية المعروضة، إذ أن هذه الأجهزة تحتوي في الغالب على مواد تتطلب درجات حرارة محددة للحفاظ على سلامتها.
ومع انقطاع التبريد لساعات طويلة، ترتفع درجة الحرارة إلى مستويات قد تؤدي إلى فساد هذه المنتجات أو فقدانها لخصائصها الأساسية، حتى وإن ظل تاريخ صلاحيتها ساري المفعول، وهو ما يفسر تسجيل حالات متكررة لشراء مستهلكين مواد غير صالحة للاستهلاك.
وعبر عدد من المستهلكين، في تصريحات لـ" تيلكيل عربي"، عن ملاحظتهم اليومية لعدد من أرباب المتاجر وهم يشغلون أجهزة التبريد صباحا مباشرة بعد فتح المحلات، وهو ما يؤكد أن هذه الأجهزة تظل متوقفة طيلة ساعات الليل.
وأبرز بعضهم أن المشكلة لا تكمن فقط في تاريخ الصلاحية المطبوع على العلب، بل في غياب احترام شروط التخزين والتبريد، مما يجعل الخطر أكبر من أن يلاحظه المستهلك العادي قبل الاستعمال.
وأكد متضررون أنه سبق لهم أن تعرضوا لتسممات غذائية بفعل هذا السلوك، مشيرين إلى أن هذه الظاهرة باتت شائعة في عدة أحياء، وأن ضعف المراقبة يجعل المستهلك الحلقة الأضعف، فيتحمل وحده نتائج سلوكيات تهدد سلامته الصحية مقابل اقتصاد في الكهرباء لا يبرر حجم المخاطر.
من جانبه، اعتبر بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن الأصل في التعامل مع المواد الغذائية سريعة التلف هو اعتماد أجهزة خاصة لمراقبة درجات الحرارة بشكل دوري، غير أن غياب الانضباط والرغبة في ما يسمى "اقتصاد الكهرباء" يدفع عددا من التجار إلى سوء الاستعمال على حساب صحة المواطن.
وأوضح الخراطي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن إطفاء أجهزة التبريد خلال الفترة الليلية أصبح ممارسة شبه عامة، مرجعا ذلك إلى ضعف التكوين المهني، إذ إن كثيرا من العاملين في هذه المحلات لا يعرفون الأسس التقنية للتبريد ولا يتم شرح المخاطر لهم أو توجيههم بشكل عملي.
وشدد على أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى تسممات غذائية جسيمة، معتبرا أنها تمثل "معضلة أخلاقية قبل أن تكون تقنية".
وسجل الخراطي أن المواد الغذائية المعروضة في الأسواق تفتقر في الغالب إلى المراقبة الدقيقة، مبرزا أن بعض المحلات لا تشغل أجهزة التبريد إلا صباحا عند فتح الأبواب، مما يعرض الحليب وسائر المواد سريعة التلف لمخاطر صحية كبيرة.
وبخصوص المساحات التجارية الكبرى والمتوسطة، شدد على أن المبدأ يفترض تطبيق ما يسمى بالمراقبة الذاتية (l’auto-contrôle) باعتباره شرطا للحصول على الترخيص بعد تقديم دفتر التحملات، مع ضرورة توفر أجهزة التبريد على سجل خاص لتدوين درجات الحرارة بشكل دوري واطلاع المفتشين عليه عند المراقبة. لكنه أشار إلى أن الواقع يكشف عن غياب صارخ لمؤسسات حماية المستهلك ولآليات المراقبة الفعلية.
كما نبه الخراطي إلى أن الأسوأ من هذا الأمر، هو خطورة إعادة تغليف بعض المواد المنتهية الصلاحية، مثل الدجاج، أو إدخالها في منتجات أخرى، إلى جانب إعادة استعمال الحليب ومشتقاته واللبن بطرق غير مراقبة، معتبرا أن ذلك يشكل خطرا مباشرا على صحة المستهلك.
ولفت إلى أن المغرب يعيش منذ سنة 2010 فراغا مؤسسيا بعد حذف مصالح زجر الغش، حيث تم توزيع مهامها على عدة مصالح، من بينها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا). وأكد أن السبب يعود إلى القانون رقم 28.07 الذي لم يدرج الجودة كعنصر ملزم وصارم، وهو ما أدى إلى بقاء مراقبة الجودة غائبة وفتح المجال أمام ممارسات تمس بحقوق المستهلك وسلامته الصحية.
وفي غياب مراقبة صارمة ودورية، يظل المستهلك الحلقة الأضعف الذي يتحمل هذه المخاطر، خاصة أن القانون يربط المسؤولية بصعوبة الإثبات، مادام تاريخ الصلاحية مطبوعا وساريا.