حين تكبر الأرقام… ولا تكبر حياة الناس

تيل كيل عربي

بقلم: محمد أمين سملالي

 

هناك أخبار لا يفرح بها إلا أصحابها.

ومن بينها الأخبار الاقتصادية.

فالاقتصاد المغربي حقق سنة 2025 نموًا بلغ 4.9 في المائة، وارتفع الاستثمار العمومي، وتراجع عجز الميزانية، وانخفض التضخم، وتحسن التصنيف الائتماني، وازدادت احتياطيات العملة الصعبة.

قائمة طويلة من الأخبار السعيدة، حتى يكاد المرء يتساءل إن كان يعيش في البلد نفسه الذي تتحدث عنه التقارير.

لكن يبدو أن المواطن لم تصله الدعوة إلى هذا الاحتفال.

فبينما يحتفل الاقتصاد بتحسن مؤشراته، يحتفل شاب إذا تلقى اتصالًا يخبره بأنه اجتاز مباراة التوظيف. وتحتفل أسرة إذا استطاعت أن تنهي الشهر دون الاستدانة. ويحتفل أب عندما ينجح ابنه في العثور على عمل داخل المغرب، دون أن يضطر إلى البحث عنه خارجه.

ربما لهذا السبب أصبح الاقتصاد المغربي يتحدث لغة لا يفهمها كثير من المغاربة.

هو يتحدث عن الناتج الداخلي الخام، بينما يتحدث المواطن عن ثمن اللحم. ويتحدث عن التصنيف الائتماني، بينما يتحدث رب الأسرة عن أقساط الكراء. ويتحدث عن التوازنات الماكرو-اقتصادية، بينما يتحدث الشاب عن سنوات الانتظار بين شهادة جامعية وفرصة عمل.

ويبدو أن الطرفين، رغم أنهما يعيشان فوق الأرض نفسها، لا يلتقيان كثيرًا.

تقرير بنك المغرب لا يخفي هذه المفارقة، لكنه يعرضها بلغة هادئة تليق بالبنوك المركزية.

أما لو تُرجمت إلى لغة الشارع، فقد تصبح أكثر بساطة:

الاقتصاد بخير… أما المواطن فما يزال ينتظر أن يتعرف إليه.

فالاقتصاد نما بنسبة 4.9 في المائة، لكن البطالة ما تزال في حدود 13 في المائة. والاستثمار العمومي سجل مستويات قياسية، لكن مئات الآلاف من الشباب الذين بلغوا سن العمل لم يجدوا مكانًا داخل سوق الشغل.

ويبدو أن النمو الاقتصادي يحقق سرعته، لكنه لا يحقق بالقدر نفسه قدرته على خلق فرص الشغل.

أما الاستثمار، فقد أصبح قصة نجاح قائمة بذاتها.

الدولة تبني الطرق والموانئ والسدود ومحطات الطاقة والمناطق الصناعية بسرعة تثير الإعجاب.

وليس في ذلك ما يدعو إلى الانتقاد.

لكن المواطن، بطبعه، شخص قليل الرومانسية مع الأرقام.

فهو لا يسأل كم بلغت قيمة الاستثمار.

بل يسأل سؤالًا أقل أناقة:

وماذا تغير في حياتي؟

وربما هنا تكمن المفارقة التي تختصر النقاش كله. فالدول لا تُقاس فقط بما تحققه اقتصاداتها من نسب نمو أو بما تضخه من استثمارات، بل أيضًا بقدرتها على تحويل ذلك إلى أثر يلمسه الناس في حياتهم اليومية. فقد تكون الأرقام صحيحة، والمشاريع حقيقية، لكن إذا بقيت فرص الشغل محدودة، والقدرة الشرائية تحت الضغط، والخدمات العمومية دون المستوى المنتظر، فإن الفجوة تبقى قائمة بين الاقتصاد كما تصفه التقارير والاقتصاد كما يعيشه المواطن. فالمغربي البسيط لا يقرأ الناتج الداخلي الخام في تقارير المؤسسات، بل يقرؤه في قدرته على شراء كيلوغرام من اللحم، أو دفع كراء البيت، أو توفير علاج لأحد أبنائه. هناك، فقط، تتحول الأرقام إلى معنى، ويصبح النمو الاقتصادي واقعًا يُعاش لا مجرد مؤشر يُعلَن.

ثم يأتي الرقم الذي يلخص الحكاية كلها.

المغربي الأكثر يسراً ينفق أكثر من سبعة أضعاف ما ينفقه المغربي الأكثر فقراً.

أي أن الاقتصاد ينتج الثروة.

لكن الثروة، لسبب ما، تختار بعناية الأبواب التي تطرقها.

ويبدو أنها، مثل كثير من الخدمات، لا تصل إلى جميع المناطق بالسرعة نفسها.

هناك مفارقة أخرى.

كلما تحسنت المؤشرات الاقتصادية، ازداد الحديث عن ضرورة إصلاح التقاعد، وترشيد النفقات، ورفع المردودية، وإصلاح التعليم، وتحسين الصحة.

حتى يخيل للمرء أن الإصلاح في المغرب يشبه مسلسلًا رمضانيًا ناجحًا.

يتغير الممثلون.

وتبقى الحلقة نفسها.

لسنوات طويلة اعتقدنا أن التنمية تعني مزيدًا من النمو.

لكن يبدو أن التجربة المغربية تقترح تعريفًا آخر.

فالنمو يزيد حجم الكعكة.

أما التنمية فتبدأ من سؤال بسيط:

من يأكلها؟

وهنا يبدأ الفرق بين اقتصاد ينجح في إنتاج الثروة، واقتصاد ينجح أيضًا في توزيع الفرص.

ليست المشكلة أن البلد لا ينمو.

بل إن النمو، في كثير من الأحيان، يمر بالقرب من الناس أكثر مما يمر في حياتهم.

تمامًا كقطار سريع يشق الطريق بثقة، بينما يلوح له الواقفون على الرصيف… فيواصل سيره.

لذلك، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف نرفع نسبة النمو؟

بل: كيف نجعل هذا النمو يتحول إلى فرص، ودخل، وخدمات، وشعور عام بأن التقدم الاقتصادي أصبح جزءًا من الحياة اليومية، لا مجرد رقم في تقرير؟

ففي النهاية، لا أحد يشتري الخبز بالناتج الداخلي الخام، ولا يدفع فاتورة الماء بالتصنيف الائتماني، ولا يبني مستقبله بالنسب المئوية.

أما التنمية الحقيقية، فلا تبدأ عندما تتحسن المؤشرات، بل عندما تتحسن الحياة.