مهرجان ثويزا.. صاحب "نظام التفاهة": الاستعمار الحديث يخفي الهيمنة خلف خطاب التنمية والشراكة

محمد فرنان

قدم الفيلسوف الكندي آلان دونو (Alain Deneault)، صاحب كتاب "نظام التفاهة"، قراءة فلسفية في التحولات التي طرأت على العلاقات الإنسانية في العصر الرقمي، معتبرا أن الكراهية لم تعد مجرد انفعال فردي، بل أصبحت جزءا من منظومة اقتصادية ومؤسساتية تنتجها آليات السلطة والتكنولوجيا وتعيد تدويرها.

وجاء ذلك خلال مشاركته في ندوة بعنوان "الحب والكراهية في زمن الرقمنة"، ضمن فعاليات الدورة العشرين لمهرجان "ثويزة" بمدينة طنجة، عشية أمس الجمعة.

وأوضح دونو أن ما سماه "اقتصاد الكراهية" يقوم على تحويل الهيمنة إلى ممارسة مؤسساتية لا تحتاج إلى إعلان عدائها بشكل مباشر، إذ لم تعد علاقات السيطرة تمارس بالوسائل التقليدية القائمة على العنف الصريح، بل أصبحت تتخذ أشكالا أكثر تعقيدا من خلال منظومات الديون والاستثمار وآليات الحوكمة وخطابات التنمية والشراكة.

ويرى دونو أن أخطر ما في هذا النموذج هو تحويل الكراهية من شعور إنساني إلى آلية بنيوية باردة، بحيث لم يعد المسؤول أو صانع القرار بحاجة إلى إظهار أي عداء شخصي تجاه الفئات أو الشعوب المستهدفة، إذ تتولى المؤسسات، عبر بروتوكولات الديون ومعايير الاستثمار وآليات الحوكمة وثقافة المقاولة، ممارسة الهيمنة والإقصاء بصورة مؤتمتة، وبهذا تصبح الكراهية ممارسة "موضوعية" تنفذها المنظومة نفسها، بما يبعد المستفيدين منها عن أي مساءلة أخلاقية مباشرة.

واستحضر دونو التحولات التي عرفتها القارة الإفريقية خلال العقود الماضية، معتبرا أن الاستعمار انتقل من نمطه العسكري المباشر إلى أنماط أكثر نعومة تتخفى وراء شعارات التنمية المستدامة والمساعدة الدولية، لكنها تستبقي، بحسبه، علاقات التبعية والهيمنة نفسها، وإن كانت بأدوات مختلفة.

وأوضح أن المرحلة الاستعمارية الأولى، خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قامت على تفوق تقني وعسكري مكن القوى الاستعمارية من بسط سيطرتها على أراض واسعة واستعباد سكانها، بهدف استغلال مواردها الطبيعية، وفي مقدمتها المطاط والمواد الغذائية ومصادر الطاقة.

وأبرز أن هذا المشروع كان يغلف بخطاب "تحضيري" أو "تبشيري" يدعي نقل الحضارة إلى شعوب صنفت آنذاك باعتبارها متأخرة تاريخيا.

وأشار إلى أن الاستعمار التقليدي لم يقتصر على النهب الاقتصادي، بل قام أيضا على ما وصفه ب"التعالي الأخلاقي"، إذ اعتبرت القوى الأوروبية نفسها أكثر تقدما، وروجت لفكرة أنها تؤدي واجبا حضاريا تجاه شعوب أدنى مرتبة.

غير أن هذا الخطاب، بحسب دونو، كان يخفي حالة من اللامبالاة والازدراء العميق تجاه الشعوب الخاضعة للهيمنة، وهو ما شكل أحد الأسس الفكرية للنظام الاستعماري.

وأوضح أن هذا التحول رافقه تبني خطاب يقوم على التنمية والشراكة والصداقة بين الدول، بما يوحي بوجود علاقات متكافئة، بينما تستمر، في نظره، البنى الاقتصادية والمؤسساتية في إعادة إنتاج علاقات الهيمنة ذاتها.

وأورد أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت بروز ما سماه "أيديولوجية الخير والكرم"، حيث جرى تقديم إفريقيا باعتبارها شريكا مساويا، والترويج لخطابات التنمية والمساعدات و"ديون الصداقة"، بما يوحي بحدوث تحول أخلاقي في العلاقات الدولية، غير أنه اعتبر أن هذه الخطابات أخفت استمرار البنية الاستعمارية نفسها، من خلال إعادة تنظيم علاقات القوة عبر الديون والبروتوكولات التقنية وآليات الحوكمة.

ولفت إلى أن هذا ما يطلق عليه "الاقتصاد في الكراهية"، حيث تمارس علاقات القوة بوسائل تقنية واقتصادية ناعمة تخفي مظاهر العداء المباشر دون أن تلغي آثاره.

وأوضح أن هذا النموذج يسمح للوزير أو المستشار أو الخبير بممارسة سلطته من خلال الالتزام بإجراءات الحوكمة والثقافة المقاولاتية، دون الحاجة إلى إظهار أي مشاعر عدائية أو شعور بالذنب، إذ تتولى المؤسسة نفسها ممارسة الإقصاء والهيمنة، لتتحول الكراهية من انفعال فردي إلى نظام تقني بارد تترك فيه السلطة ل"الماكينة" مهمة إنتاج الهيمنة بصورة آلية.

وتوقف عند طبيعة النقاش العام في الفضاء الرقمي، مشيرا إلى أن الخطاب السياسي بات يستعير لغة المنافسات الرياضية، حيث تسود مفردات من قبيل الإقصاء وسحق الخصم والانتصار عليه، وهو ما يجعل الخلافات السياسية تتحول إلى مواجهات عاطفية أكثر منها نقاشات عقلانية.

ولفت إلى أن هذا المنطق يحول القضايا السياسية والجيوسياسية المعقدة إلى مواجهات تقوم على منطق "سحق الخصم" وإذلاله، بدل البحث عن فهم أسباب الخلاف.

ووفق دونو، فإن المنصات الرقمية لا تقود إلى ما سماه أرسطو ب"الكاثارسيس" أو التطهير الفكري، بل تحاصر المستخدمين داخل "غرف صدى" خوارزمية تغذي الغضب والانفعال، وتحول دون إدراك الجذور الحقيقية للصراعات.

ولتوضيح فكرته، استشهد بما يعرف ب"حرب كرة القدم" بين السلفادور وهندوراس، مبرزا أن المباريات لم تكن السبب الحقيقي للحرب، بل مجرد شرارة فجرت توترات مرتبطة بتوزيع الأراضي واختلالات اقتصادية وهيمنة قوى نافذة.

وأورد أن الاقتصار على البعد العاطفي للنزاع يحجب أسبابه البنيوية، وهو ما تفعله المنصات الرقمية اليوم عندما تدفع الأفراد إلى التفاعل مع المظاهر السطحية للأزمات دون تمكينهم من فهم خلفياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وشدد دونو على أن العصر الرقمي يشهد تحويلا للمشاعر الإنسانية إلى مادة اقتصادية تستثمر فيها الخوارزميات، حيث تصبح الكراهية موردا يدر التفاعل ويزيد من أرباح المنصات، في مقابل تراجع مساحة التفكير العقلاني والنقاش العمومي، بما يدفع المجتمعات إلى دوامات متواصلة من الاستقطاب والصراع.