شهدت مقبرة سيدي امبارك بمدينة سبتة المحتلة، صباح اليوم الأربعاء، دفن جثماني شابين مجهولي الهوية، لفظهما البحر خلال الأسبوع الجاري في منطقتي "الشوريو" و"سارشال".
الجثتان، اللتان عجزت السلطات الإسبانية عن تحديد هويتهما بسبب طول المدة التي قضياها في البحر، ووريتا الثرى في قبور تحمل الأرقام 5209 و5210، إلى جوار عشرات المهاجرين الذين لقوا المصير ذاته خلال محاولات عبورهم نحو الضفة الأخرى.
حصيلة ثقيلة.. 35 وفاة في 9 أشهر فقط
الأرقام المسجلة تكشف عن مأساة إنسانية غير مسبوقة. فمنذ مطلع السنة الجارية وحتى نهاية شتنبر، بلغ عدد الجثث التي جرى انتشالها في سبتة وحدها 35 ضحية، معظمهم شباب، بينهم قُصَّر.
أما على الجانب المغربي، حيث تبتلع الأمواج أجساد مهاجرين آخرين، فلا تصدر أي إحصاءات رسمية، ما يجعل البحر بمثابة مقبرة صامتة لضحايا الهجرة السرية.
وخلال يوم أمس الثلاثاء فقط، جرى انتشال جثة قاصر بشاطئ الفنيدق، في حادث جديد يسلط الضوء على المخاطر المميتة لرحلات العبور غير النظامي.
جنازات صامتة وهوية ضائعة
مراسيم الدفن تمت في هدوء، بحضور القائمين على المقبرة وبعض المتطوعين الذين اعتادوا حضور مثل هذه الجنازات، فيما تكفلت شركة “القدر” الجنائزية بنقل النعشين وإعداد مراسيم التشييع.
وتوضح المصادر أن الجثتين وُجدتا على فترات متقاربة، لكن المعاينات الأولية كشفت أنهما قضتا وقتاً طويلاً في عرض البحر، ما جعل التعرف عليهما أمراً شديد الصعوبة.
البحر شاهد على مأساة مستمرة
بحسب شهادات متطابقة، فإن عدداً من المهاجرين غير النظاميين يلقون حتفهم أثناء محاولاتهم العبور سباحةً نحو سبتة، أو بعدما يجبرهم المهربون على القفز من قوارب الموت قرب الصخور. كثيرون منهم لا يجيدون السباحة، أو يكونون مرهقين من طول الرحلة، فيستسلمون للأمواج.
ملابس الضحايا، التي كثيراً ما يُعثر عليها وهي غير مناسبة للسباحة، تقدم مؤشرات إضافية على ظروف مصرعهم. فقد سبق أن تم انتشال جثث أطفال كانوا يرتدون أحذية رياضية، ما جعل عبورهم سباحة شبه مستحيل.
البحث عن هوية الضحايا
من جهتها، تواصل الشرطة القضائية التابعة للحرس المدني الإسباني عبر مختبر الأدلة الجنائية جمع البيانات الخاصة بالجثث: من صور فوتوغرافية وملابس وأغراض شخصية، إضافة إلى أخذ عينات الحمض النووي وبصمات الأصابع إن وُجدت.
ورغم الصعوبات، تمكّنت السلطات في بعض الحالات من تحديد هوية الضحايا وإعادة جثامينهم إلى بلدانهم الأصلية، خاصة المغرب والجزائر.
قبور مرقمة في انتظار العائلات
في مقبرة سيدي امبارك، يُسجل بدقة تاريخ العثور على كل جثة ومكان دفنها داخل القبور المرقمة، حتى يتسنى لأسر الضحايا في حال ظهورها لاحقاً زيارة أحبائها والدعاء لهم.
غير أن الغالبية العظمى من هذه القبور تظل بلا أسماء، شاهدةً على مأساة الهجرة السرية عبر الحدود الجنوبية لأوروبا، حيث تتحول أحلام العبور إلى رحلة أخيرة نحو الموت الصامت.