أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أمام البرلمان عن ملامح الاتفاق السياسي بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حول مستقبل جبل طارق بعد البريكست، مؤكداً أنه “يمثل لحظة تاريخية” ستفتح الباب أمام “سقوط آخر جدار في أوروبا القارية”، في إشارة إلى إزالة “الحدود الحديدية” التي تفصل الإقليم البريطاني عن إسبانيا.
وأكد ألباريس أن الاتفاق، الذي تعمل المفوضية الأوروبية على صياغته النهائية قبل نهاية الخريف الجاري، يمنح إسبانيا حضورًا أمنيًا مباشراً في الميناء والمطار لمراقبة دخول الأشخاص إلى منطقة شينغن، إضافة إلى التحكم الكامل في الإجراءات الجمركية الخاصة بالبضائع المتجهة إلى الإقليم البريطاني.
وأوضح الوزير أن الشرطة الوطنية الإسبانية ستتولى مراقبة الدخول والخروج من ميناء ومطار جبل طارق، “وفقاً للمعايير نفسها المطبقة في أي حدود خارجية لمنطقة شينغن”، مبرزا أن ذلك يشكل سابقة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين مدريد ولندن.
كما كشف ألباريس أن بلاده ستحصل بموجب الاتفاق على وصول كامل إلى المعلومات المتعلقة بالأفراد والبضائع التي تعبر إلى القاعدتين العسكريتين البريطانيتين (البحرية الملكية وسلاح الجو الملكي) في جبل طارق، وذلك لضمان احترام قواعد شينغن والاتحاد الجمركي الأوروبي.
اتحاد جمركي جديد وضرائب على النمط الأوروبي
على صعيد اقتصادي، يتضمن الاتفاق إنشاء اتحاد جمركي فعلي بين جبل طارق والاتحاد الأوروبي، ما يعني إلغاء جميع الحواجز المادية وتوحيد المعايير التجارية مع الحفاظ على نزاهة السوق الأوروبية. وستمر جميع السلع الموجهة إلى جبل طارق عبر نقاط جمركية إسبانية قبل دخولها الإقليم.
كما سيفرض جبل طارق ضريبة غير مباشرة مماثلة لضريبة القيمة المضافة (TVA) بنسبة لا تقل عن 15%، وهو الحد الأدنى المعتمد في الاتحاد الأوروبي، بهدف منع الإغراق الضريبي الذي كان يتميز به الإقليم سابقاً. وستشمل هذه الملاءمة الضريبية أيضاً منتجات التبغ والكحول والمحروقات، على أن يتم تنفيذها خلال فترة انتقالية لا تتجاوز ثلاث سنوات.
إدارة مشتركة للمطار وتعاون اجتماعي متقدم
ومن بين البنود التي وصفها الوزير بـ”التاريخية”، الاتفاق على إدارة مشتركة لمطار جبل طارق عبر شركة إسبانية-بريطانية مشتركة بنسبة 50% لكل طرف، بما يتيح فتح خطوط جوية مباشرة مع المطارات الإسبانية والأوروبية، وتعزيز ربط المنطقة بجوارها الأندلسي.
كما سيتضمن الاتفاق فصولًا خاصة بالتنسيق في مجالات البيئة، والعمل، ومكافحة غسل الأموال، والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى آلية تسوية النزاعات، مع إقرار فصل بيئي خاص يفرض على جبل طارق الالتزام بنفس المعايير الأوروبية في ما يتعلق بالردم البحري والتلوث والأنشطة الصناعية.
وفي ما يخص الشق الاجتماعي، أكد ألباريس أن الاتفاق سيضع نظامًا جديدًا للتنسيق في مجال الضمان الاجتماعي يستفيد منه نحو 10 آلاف عامل إسباني و5 آلاف عامل أجنبي يشتغلون في الإقليم البريطاني، عبر آلية مالية وصندوق اجتماعي مشترك يهدفان إلى “تحسين ظروف العيش والعمل وتقليص الفوارق القائمة”.
دعوة إلى التوافق السياسي الأوروبي
وختم ألباريس كلمته بمطالبة الحزب الشعبي الإسباني بدعم الاتفاق في البرلمان الأوروبي، مبرزا أن مصادقة النواب المحافظين قد تكونحاسمة داخل مجموعة الحزب الشعبي الأوروبي. وقال: "إنها لحظة تاريخية تتطلب من الجميع روح الدولة. هذا الاتفاق لا ينتصر لطرف على آخر، بل يفتح مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار المشترك بين جبل طارق وإسبانيا والاتحاد الأوروبي”.
ويُنتظر أن يتم التصويت على الاتفاق خلال الأسابيع المقبلة في مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي والبرلمان البريطاني، مما قد يمهد لمرحلة جديدة في العلاقات بين مدريد ولندن بعد سنوات من التوتر حول وضع الإقليم البريطاني المتنازع عليه.