توتر جديد بالمياه المحيطة بجبل طارق، غدا الثلاثاء، مع إعلان البحرية الملكية البريطانية (Royal Navy) عن إطلاق مناورات عسكرية واسعة النطاق تشمل سفناً حربية عالية السرعة، وإطلاق ذخائر وهمية وبنادق صوتية، في خطوة أثارت ردود فعل غاضبة في مدريد وقلقاً في الرباط التي تراقب عن كثب أي تصعيد عسكري في واحد من أكثر الممرات البحرية استراتيجية في العالم.
مناورات "Surfex"… تدريبات عسكرية بريطانية في منطقة متنازع عليها
وفقاً لإشعار الملاحة الصادر عن هيئة ميناء جبل طارق (Gibraltar Port Authority)، ستجري المناورات – التي تحمل اسم "Military Surfex" – في منطقة تمتد من "Punta Europa" إلى أجزاء من الجهة الشرقية للصخرة، بمشاركة سفينتي الدورية HMS Dagger و HMS Cutlass، وعدد من الزوارق السريعة من طراز Pacific 24 RHIB و Arctic 24، إلى جانب وحدات من شرطة الدفاع الجبرالتارية (Gibraltar Defence Police – GDP).
وتتضمن التدريبات، وفق البيان الرسمي، عمليات إبحار بسرعات عالية، وإطلاق ذخائر صوتية، وإطلاق قنابل إضاءة حرارية محمولة. كما ستشارك شرطة الدفاع المحلية في تأمين المنطقة ومراقبة الملاحة المدنية أثناء تنفيذ التدريبات.
لكن هذه المناورات لا تخلو من الجدل، إذ تقع في منطقة بحرية تدّعي بريطانيا وجبل طارق السيادة عليها، بينما لا تعترف بها إسبانيا، التي ترى أن معاهدة أوترخت لعام 1713 لم تشمل سوى المدينة والميناء والتحصينات، دون أي إشارة إلى المياه المحيطة.
احتجاجات إسبانية متكررة… ولندن تواصل تجاهلها
هذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها مناورات البحرية البريطانية غضب مدريد. ففي أكتوبر 2023، اعترضت الفرقاطة البريطانية HMS Cutlass سفينة تابعة للبحرية الإسبانية خلال تدريبات مماثلة، ما دفع لندن إلى وصف الحادث بأنه "انتهاك غير مقبول لسيادتها"، في حين أكدت إسبانيا أن المنطقة المعنية ليست جزءا من الأراضي التي تخلت عنها بموجب معاهدة أوترخت.
وفي مارس الماضي، قدمت وزارة الخارجية الإسبانية احتجاجاً رسمياً جديداً على هذه المناورات ووصفتها بأنها "مساس غير مقبول بالسيادة الإسبانية"، لكن المملكة المتحدة تجاهلت الاحتجاج وعادت لنشر وحداتها العسكرية في المنطقة بعد ثلاثة أسابيع فقط.
رمزية سياسية وعسكرية عميقة
تأتي هذه المناورات في وقت حساس يشهد فيه مضيق جبل طارق – الذي يفصل بين المغرب وإسبانيا ولا يتجاوز عرضه 14 كيلومتراً – تصاعداً في المنافسة الجيوسياسية بين القوى الأوروبية، في ظل تزايد النفوذ البريطاني في المنطقة بعد "بريكسيت"، ومحاولتها تعزيز وجودها العسكري لحماية خطوط الملاحة التجارية التي تمر عبر المضيق.
ويرى محللون أن المناورات الحالية تحمل رسائل متعددة الاتجاهات:
أولا، إلى إسبانيا، التي تسعى منذ سنوات إلى استعادة السيادة الكاملة على جبل طارق أو تقليص النفوذ البريطاني فيه.
ثانيا، إلى الاتحاد الأوروبي، الذي أطلق مؤخراً نظام مراقبة حدودي جديد في منطقة "الڤيرخا" دون إشراك جبل طارق فيه.
وثالثا، إلى المغرب الذي يتابع باهتمام هذه التحركات لِما لها من تأثير مباشر على أمنه البحري والتجاري، خاصة في ظل الطموحات المتزايدة لميناءي طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط.
دعوات للحذر وسط تصاعد التوتر
ودعت السلطات البحرية في جبل طارق جميع السفن المدنية إلى توخي أقصى درجات الحذر واحترام إشارات الملاحة المؤقتة خلال فترة المناورات، في حين أكدت أن هذه التدريبات "دورية" وتأتي في إطار "تعزيز قدرات الردع والدفاع البحري البريطاني".
لكن في مدريد، تتصاعد الأصوات الداعية إلى رد دبلوماسي قوي، وسط دعوات في البرلمان الإسباني لإعادة طرح ملف السيادة على جبل طارق أمام المحافل الأوروبية والدولية.
يُذكر أن مضيق جبل طارق يعد من أكثر النقاط البحرية حساسية في العالم، حيث يمر عبره نحو 100 ألف سفينة سنوياً، كما يمثل بوابة رئيسية للتجارة بين أوروبا وإفريقيا وآسيا. ويخشى خبراء أمنيون من أن تؤدي أي خطوات تصعيدية غير محسوبة في المنطقة إلى توترات عسكرية أوسع نطاقاً قد تؤثر على الأمن الإقليمي والمصالح المغربية والأوروبية على حد سواء.