قيس سعيّد يضع تونس تحت الحماية الجزائرية (3/5)

تيل كيل عربي

مازري الحداد*

من لا يعرف التاريخ يعيشه من جديد (كارل ماركس)

المغرب، هوسٌ جزائري

فجأةً، فقدت الجزائر ما بعد الاستعمار ذاكرتها، واستبدلتها بـ«حلمٍ القوة»؛ حلمٍ يقوم على الهيمنة على المغرب العربي باسم قوميةٍ عربيةٍ صوتية ومتجاوزة، وإسلامٍ مفرغٍ من محتواه، واشتراكيةٍ خياليةٍ لم توجد إلا في الخطابات.وفي تحليله لخلفيات الاتحاد التونسي-الليبي القصير العمر سنة 1974، كتب مؤسس مجلةJeune Afrique، بشير بن يحمد قائلاً:«الثنائي بومدين–بوتفليقة كان يحلم بمغربٍ عربيٍّ تحت سيطرته، يتولى فيه صديقهما محمد المصمودي الحكم في تونس، والجنرال محمد أوفقير السلطة في المغرب.»(بشير بن يحمد في كتابه «أتحمّل»، 2021، ص. 191)

هكذا تلاشى الحلم الذي وُلد في أبريل 1958 بطنجة، حين عبّر قادة حزب الاستقلال المغربي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية والحزب الدستوري التونسي الجديد عن عزمهم على تأسيس مغربٍ موحّد.أما معاهدة مراكش لعام 1989، التي أُنشئت من أجل تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي بين الدول الخمس، فقد تحوّلت لاحقًا إلى مجرد وهمٍ سياسي.

يرى التونسيين أن بلادهم جزءٌ من المغرب العربي، والمغاربة يرون أن المغرب جزءٌ من المغرب العربي، وكذلك الموريتانيون والليبيون.لكن في المقابل، النظام الجزائري — وليس الشعب الجزائري — يرى أن المغرب العربي هو الذي ينتمي إلى الجزائر!

لقد نسي القادة الجزائريون بسرعة أنّ المغرب وتونس احتضنا آلاف اللاجئين الجزائريين إبّان حرب التحرير.فحسب محسن التومي في كتابه تونس من بورقيبة إلى بن علي (1989، ص. 72)، استقبل البلدان نحو مليون لاجئ بين عامي 1957 و1962، إلى جانب عناصر جيش التحرير الوطني (ALN) والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA).بل إنّ المغرب وتونس دعما بقوة النضال العسكري الجزائري، ودفعا ثمن ذلك غاليًا، كما حدث في وجدة وساقية سيدي يوسف سنة 1958.

لكن، وقبل أن تُعلن الجزائر استقلالها رسميًا — الذي تحقق فعلا بفضل نضال شعبها البطولي، ولكن أيضًا بفضل الدعم السياسي والدبلوماسي واللوجستي والعسكري التونسي والمغربي ناهيك عن المساعدة الأمريكية السرية — سارعت الجزائر إلى التعبير عن «امتنانها» لهذين الجارين المخلصين بطريقةٍ غريبة:الصحراء، كل الصحراء، ملكٌ للجزائر وحدها لا شريك لها!وهكذا، كل ما يتعلق بالإرث الاستعماري مرفوض ومقيت في نظر الجزائر الرسمية، إلاّ شيء واحد: رسم الحدود الذي تركه المستعمر!ولِمَ لا؟ فذلك الإرث بالذات كان في صالحها تمامًا، على حساب تونس والمغرب، اللتين كانتا تملكان إلى جانبهما التاريخ، بل وحتى بعض الوثائق والمعاهدات القانونية العائدة إلى العهد العثماني وبداية الحقبة الاستعمارية. غير أن التقلّبات والمناورات الفرنسية في عهد الجنرال ديغول لم تكن لجانبهما.

بعد عامٍ واحد فقط من استقلالها، بدأت الجزائر — وهي تدرك تمامًا أنها ستُطالَب عاجلًا أم آجلًا بردّ ما لا يخصّها وفقًا لالتزاماتٍ سابقة قطعها بعض قادتها التاريخيين — تحشِد جيشها للحفاظ على «حرمة» حدودها الموروثة عن الاستعمار، معتبرةً تلك الحدود أمرًا واقعًا غير قابل للنقاش، سواء مع المغرب أو مع تونس.

مع المغرب، تحوّل الخلاف الحدودي سريعًا إلى مواجهةٍ مسلّحة في أكتوبر 1963، عُرفت بـ «حرب الرمال»، التي أشعلها الجيش الجزائري بدعمٍ خاص من مصر الناصرية التي شاركت في العدوان بعناصر عسكرية.ورغم وجود اتفاقٍ سابق موقّع في الرباط في يوليو 1961 بين الملك الحسن الثاني (العلوي الحادي والعشرين) وفرحات عباس (رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة آنذاك قبل أن يُطيح به بن بلّة)، يعترف ضمنيًا بالمطالب الترابية المغربية، إلا أن وحدة من القوات المسلحة الملكية المغربية تعرّضت لهجومٍ في حاسي بيضا قرب بشار، سرعان ما امتدّ إلى تندوف وفكيك. فتحوّل الصراع بين الأخوة إلى مواجهةٍ دامية، انتهت بانتصارٍ ميداني للمغرب  — رغم أن الملك الحسن الثاني تنازل طوعًا عن منطقة تندوف تجنّبًا لتأجيج النزاع.

انتهت الحرب بعد أربعة أسابيع بوساطة منظمة الوحدة الإفريقية (OUA)، وتوّجت رسميًا بمعاهدة «الأخوّة وحسن الجوار» الموقّعة في إفران يوم 15 يناير 1969.لكن بينما كانت تلك سلام الشجعان بالنسبة إلى المغرب، كانت بالنسبة إلى الجزائر هدنة الحقد… بانتظار أن تشعل نار الفتنة مجددًا عبر جبهة البوليساريو، ذراعها بالوكالة المتمركزة في تندوف.ذلك الكيان المسمّى خطأً «الصحراء الغربية»، لم يكن سوى اختراعٍ من لا شيء أوجده القذافي قبل أن يتبنّاه بومدين ويوظّفه كسلاحٍ ردع سياسي. تلت ذلك نحو نصف قرنٍ من الحرب الباردة — وأحيانًا الساخنة — دائمة بالوكالة،تكلفت للجزائر 50 مليار دولار بشهادة رئيسها،إلى أن وصلت اليوم إلى مجلس الأمن الدولي.وبحكم التبعية السياسية، جرّ مغتصب قرطاج الدولة التونسَية إلى هذا النزاع الجزائري–المغربي، قاطعًا بذلك مع عقيدة السياسة الخارجية التونسية بعدم التدخل في شؤون الغير، التي أرسى قواعدها بورقيبة عام 1956 وواصل بن علي احترامها المطلق.وقد أشارت مجلةJeune Afriqueفي مقالها بتاريخ 11 يونيو 2025 بعنوان:«البوليساريو، ميناء جرجيس: ما الذي دار بين تبون وقيس سعيّد؟»إلى أن سعيّد اصطفّ بوضوح إلى جانب الجزائر، مخالفًا بذلك نهج الحياد التقليدي لتونس.وحتى أكون واضحا فيما يخصّ قضية الصحراء المغربية، موقفي هذا ليس وليد اللحظة ولا مجاملة سياسية لأي طرف، بل هو موقف مبدئي وثابت منذ أكثر من ثلاثين سنة، وقد عبّرت عنه بوضوح في كتابي «لن تهدم قرطاج» (2002).

مع الأخوّة الجزائرية، لم تَعُد تونس بحاجةٍ إلى أعداء!

فمع تونس، التي لا يزال «إخوننا» الجزائريون يصفونها — دون خلوٍّ من الترفّع — بأنها «الأخت الصغرى»، لم يتحوّل الخلاف الحدودي إلى مواجهةٍ عسكرية كما حدث مع المغرب.وليس ذلك لأن «الأخت الكبرى» كانت أكثر مودةً أو عرفانًا بالجميل تجاهنا، بل لأن الحكمة كانت تحكم تونس في تلك الحقبة التاريخية.فالرئيس الحبيب بورقيبة، القانوني والعقلاني والسلمي، كان يؤمن أكثر بقوة القانون الدولي والمفاوضات الدبلوماسية من الإقدام على صراعٍ مسلّح، لم تكن لديه له لا القدرة العسكرية، ولا الإمكانيات المالية، ولا حتى الرغبة السياسية في خوضه.وفي خطابه أمام البرلمان التونسي يوم 17 يوليو 1961، قال بورقيبة:«نأمل أن يجنّبنا حقّنا الواضح، وصراحتنا، ورغبتنا الصادقة في التعاون، الدخول في نزاعٍ مسلّح مع فرنسا، فضلاً عن إخوتنا الجزائريين».

أما النزاع المقصود، فهو أحد مخلّفات التقسيم الاستعماري، ويتعلّق أساسًا بما يُعرف بـ العلامة الحدودية رقم 233، الواقعة في غارة الهامل، على بُعد نحو خمسة عشر كيلومترًا جنوب غرب غدامس، وتُعدّ النقطة الأخيرة للحدّ التونسي–الليبي.وقد طالبت بها تونس المستقلة بحقٍّ قانوني وتاريخي استنادًا إلى معاهدة 19 مايو 1910، التي تحدّد بدقة الحدود التونسية–الليبية من البحر إلى العلامة 233، وإلى المعاهدة الفرنسية–الليبية لسنة 1956، التي رسمت الحدود بين الجزائر والملكية الليبية بالاستناد هي الأخرى إلى العلامة 233.قضية «العلامة 233» تُمثّل واحدةً من أكثر وأكبر عمليات البتر الجغرافي ظلمًا وتعسفًا وألمًا؛ إذ تُجسّد في جوهرها نهبَ الصحراء التونسية الغنية بالثروات النفطية، على يد الجزائر وبتواطؤٍ فعّال من فرنسا.

وكما كتب كريم سراج بدقّة لافتة: "وراء النزاع الحدودي تختبئ معركةٌ من أجل السيطرة على موارد حيوية، رهانٌ اقتصاديٌّ يحوّل خلافًا تاريخيًا إلى مسألة بقاءٍ اقتصادي لتونس. يمكن القول إنّ ما يُسمّى “تونس المفيدة” قد أُهديَ إلى الجزائر بعد الاستقلال». (كريم سراج، «الأراضي التونسية المنهوبة من الجزائر: جذور المطالب المعاصرة»، موقعLe360، 26أكتوبر 2025).

في خطابه أمام البرلمانيوم 17 يوليو 1961، وهو يحمل النسخة الأصلية من معاهدة سنة 1910، قال الحبيب بورقيبة بلهجةٍ حازمة:«لقد قلتُ في خطابي يوم 5 فبراير 1959 إنّ حدودنا الترابية وكياننا الجغرافي قد سُلبا منّا شمالًا وجنوبًا، ويجب أن يُعادا إلينا (...). إننا نعتقد أنّ من واجبنا أن نُطالب اليوم بحقنا في فضائنا الصحراوي، بدل أن نفتح غدًا نزاعًا مع إخوتنا الجزائريين».وفي كتابه «معركتي من أجل الأنوار» (Mon combat pour les Lumières، ص. 168)، توقّف الراحل محمد شرفي — أستاذ القانون ورئيس الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ووزير التربية في عهد بن علي — عند نفاق وتلاعب الحكومة الفرنسية في عهد ديغول، فكتب ما يلي:«ربما كانت هناك أسباب موضوعية — استعمارية (إلحاق الصحراء بالجزائر) وجيولوجية (الثروات النفطية والغازية الهائلة في الصحراء) — وراء هذا الموقف.ففي رسم حدود شمال إفريقيا، حرص القادة الفرنسيون على أن يُفضّلوا الجزائر، التي كانت تُعدّ آنذاك ولايةً فرنسية ويُفترض أن تبقى كذلك في أذهانهم، على حساب تونس والمغرب اللتين كانتا تعتبران كيانات مؤقتة.وهكذا أُلحق كامل الإقليم الصحراوي الذي كانت فرنسا تحتله بالجزائر.ذلك حدثٌ استعماريٌّ وحادثةٌ من حوادث التاريخ... وكانت لتونس مطالب مشروعة بشأن نصيبها من الصحراء».

إنّ الأمر ليس حدثًا استعماريًا فحسب، بل هو نُيو–استعمارا، لأن الجزائر، منذ 1962، لم تكن ترى نفسها كآخر دولة تحرّرت لذاتها ولاستكمال مشروع وحدة المغرب العربي الكبير، الذي حلم به رواد الحركة الوطنية في إطار جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا (AEMNA) ونجم شمال إفريقيا (Étoile Nord-Africaine)، اللتين طالبتا منذ عام 1933 باستقلالٍ تامٍّ لشمال إفريقيا.بل كانت الجزائر ما بعد الاستقلال ترى نفسها قوةً مهيمنة جديدة تحلّ مكان الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية.وقبل عامٍ واحد من إعلان استقلال الجزائر، وبعد شهرٍ فقط من بدء مفاوضات إيفيان (ماي 1961)، وجّه محمد المصمودي — وكان حينها كاتب الدولة للإعلام — خطابًا إلى الإخوة الجزائريين بتاريخ 26 جوان 1961 قال فيه:«هل الصحراء هي التي تفرّق بيننا (...)؟الجميع يعلم أن تصحيح الحدود الجنوبية، أي حق تونس في فضائها الصحراوي، كان من أهمّ نقاط الخلاف التونسي–الفرنسي (...).فهل يُعتبر مساسًا بالسلامة الترابية للجزائر أن نقول إنّ خلافنا الحدودي هو مع فرنسا، وليس مع الجزائر؟»(نقلاً عن طاهر بلخوجة، في كتابه «الثلاثة عقود البورقيبية»، 2010، ص. 56).

*من مواليد سنة 1961، مازري الحداد هو فيلسوف ودبلوماسي وسياسي تونسي ذو توجه بورقيبي راديكالي. عارض نظام بن علي لفترة طويلة (1989-2000)، ثم أصبح أحد مستشاريه في الظل (2002-2008)، قبل أن يُعيَّن سفيرًا لتونس لدى منظمة اليونسكو (2009-2011).
يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون، وحاصل على إجازتين في التاريخ المعاصر وعلم الاجتماع، وهو من أوائل وأندر المرشحين المسلمين الذين نالوا تأهيل الجامعة الفرنسية كـ«محاضر في علم اللاهوت الكاثوليكي».
يُعَدّ الدكتور مازري الحداد من أبرز المدافعين عن الحوار بين الأديان، وصديقًا مقرّبًا جدًا من المهدي المنجرة ومحمد أركون. نشر بالفرنسية كتابًا بعنوان «من أجل إسلام السلام» (2001) بالاشتراك مع مالك شبال. ومن أشهر مؤلفاته أيضًا « لن تدمر قرطاج (2002) و«معركتي ضد الإسلاموية وأغبيائها النافعين» (2022).
أما آخر كتبه في الجغرافيا السياسية فقد خُصِّص للصراع الروسي-الأمريكي، تحت عنوان «من صدام الحضارات إلى الحرب بالوكالة» (2023)، وقد كتب مقدمته الوزير الفرنسي للخارجية السابق أوبير فدرين

تنسيق وإعداد المقال للنشر: محمد زيتوني