قيس سعيّد يضع تونس تحت الحماية الجزائرية (4/5)

تيل كيل عربي

مازري الحداد*

من لا يعرف التاريخ يعيشه من جديد (كارل ماركس)

نهب تونس لأراضيها الجنوبية

كتب بعض من زملائي المؤرخين كثيرًا عن المعركة الحاسمة في بنزرت صيف 1961. لكن قلة منهم أولت اهتمامًا الى أن أزمة بنزرت وأزمة الصحراء التونسية كانتا مرتبطتين سياسيًا واستراتيجيًا وحتى زمنياً. فقد اندلعتا في آنٍ واحد، أي في 18 يوليو 1961 في جنوب تونس، وفي 19 يوليو في بنزرت. في ذلك اليوم البارز والمنسي إلى حدّ ما، 18 يوليو 1961، تدفقت إلى تطاوين — حيث كان في انتظارهم المجاهد أحمد التليلي  — مئات المتطوِّعين الشباب القادمين من مدنين، قفصة، دوز وقابس، متطوعين للمعركة الحاسمة مع الاستعمار. وفي صباح اليوم التالي، غرس جيشنا الشاب والباسل العلم التونسي في غارة الهامل، على العلامة الحدودية 233. كانت انتصارا لم يدم طويلا أمام قصف سلاح الجو الفرنسي والقوات المشاة التي أُرسلته مستعجلةً من الجزائر.

في مذكراته يروِي الجنرال ديغول الحدث بطريقته الخاصة: «في الثامن عشر من شهر يوليو، في أقصى الجنوب، عبر تَفَقُّدٌ تونسي ضخم الحدود الصحراوية، حاصر مركزنا في غارة الهامل واحتل المكان المسمى (العلامة 233). على ما يبدو أن بورقيبة يعتقد أن باريس ستتراجع أمام قرار شنّ عمل واسع النطاق... لذلك يراهن على أن تُفتح مفاوضات على أساس الأمر الواقع، وبالتالي تُرضى مطالبه... أنا لا أقبل أن يُهَانَ شأن فرنسا...!»

وكان ديغول أكثر مراوغةً ومكرًا في مؤتمره الصحفي الشهير في 5 سبتمبر 1961: «يجب القول إنه في مفاوضات رامبوِيي (27 فبراير 1961)، كان رئيس الجمهورية التونسية قد طالب بتصحيح الحدود فيما يخص الصحراء لصالح تونس وعلى حساب الجزائر. وكان هذا التصحيح يهيئ، بطريقة ما، وصولًا مستقبليًا لتونس نحو الصحراء. وعلاوةً على ذلك، لم يخف السيد بورقيبة أنه يعتبر ذلك مجرد محطة وأنه يهدف إلى أعماق الصحراء، إلى منطقة الجَلَيات حيث توجد، كما هو معلوم، رواسب نفطية هامة... كانت الدولة التونسية تطالب بمنبع الثروة... لقد أبلغنا آنذاك السيد بورقيبة أنه طالما أننا نساعد على ولادة دولة جزائرية كانت لا بدّ وأن تكون معنية بالصحراء أولًا وأخيرًا... فلن نقصّ بعدوانية سيادة هذه الحجارة والرمال ونوزعها شرائح...»

بعد عامٍ واحد فقط من استقلال الجزائر، بذل الحبيب بورقيبة كل طاقته الدبلوماسية لإقناع القادة الجزائريين بضرورة إيجاد حلٍّ عادل ومنصف للنزاع الحدودي. لكن دون جدوى — فأمام الغطرسة (l’hubris)، تعجز الحكمة (la phronesis).آخر أمل في تسوية سلمية ومنصفة كان سنة 1964.يروي الطاهر بلخوجة في مذكراته:«وصلتُ من داكار لألتحق بوفدنا في القاهرة، خلال القمة الثانية للدول الإفريقية. بورقيبة عرض مرة أخرى على أحمد بن بلة مسألة ترسيم الحدود انطلاقًا من العلامة 233. الرئيس الجزائري وافق شفهيًا على ترتيبٍ يعترف بالسيادة التونسية. لكن عند عودته إلى الجزائر، رفض كلٌّ من بومدين، وزير الدفاع، وبوتفليقة، وزير الخارجية، المصادقة على هذا الاتفاق.»

بعد ذلك بستّ سنوات، وتحديدًا يوم 5 يناير 1970، كانت بعثة عسكرية تونسية في الجزائر لمناقشة المعضلة الحدودية المزمنة، غير أنها فوجئت بطلب رسمي بالعودة إلى تونس لأن — كما أُبلغت —«النقاش حول مسألة الحدود لم يعد له أي مبرّر. فالقضية حُسمت.»وبالفعل، في اليوم الموالي 6 يناير 1970، تمّ في تونس توقيع «معاهدة الأخوّة وحسن الجوار والتعاون» التي حدّدت الحدود التونسية الجزائرية عند العلامة 220 — كما أرادها الجزائريون والفرنسيون — بدلًا من العلامة 233 التي كانت تونس تطالب بها منذ سنوات.وقع المعاهدة وزير الخارجية الحبيب بورقيبة الابن عن الجانب التونسي وعبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية عن الجانب الجزائري.وكان ملحق بروتوكولي يتضمّن تنازل تونس لصالح الجزائر عن ممتلكات سيادية في المقابل، تلتزم الجزائر بدفع مبلغ رمزي يعادل 10 ملايين دينار جزائري بالفرنك الفرنسي آنذاك.

قبل هذا «المنح» من ديغول إلى الجزائر لأراضٍ تونسية — وهو المنح الذي تمّ «تقنينه» لاحقًا عبر ما أسميه «بمعاهدة العار» — كانت مساحة تونس تبلغ حوالي 185,000 كيلومتر مربع.أما بعد توقيع تلك المعاهدة سنة 1970، فقد تقلّصت المساحة إلى 164,000 كيلومتر مربع، أي خسارة نحو 21,000 كيلومتر مربع من الأراضي الجنوبية الغنية بالموارد النفطية.وصادق لاحقا البرلمان التونسي بـ "معاهدة العار" في 30 يناير 1970.وخلال الجلسة، لم يتجرأ سوى نائب واحد على كسر الصمت، هو علي المرزوقي، الذي قال بصوتٍ حادٍّ وضمير وطني:«ليست هذه المرة الأولى التي تتخلى فيها تونس عن جزءٍ من ترابها، تارةً لصالح فرنسا، واليوم لصالح الجزائر...حدث الأمر نفسه في عهد أحمد باي، حين تنازل بلدنا للسلطات الفرنسية في الجزائر عن منطقةٍ كاملة تُدعى نَجْد قرب سوق الأربعاء.ثم في 1901، عندما مُدّت الحدود عبر الصحراء، اقتُطع جزءٌ مهمٌّ من الصحراء التونسية رغماً عنها...كنا قد وجدنا خطًّا يمتد من بير رمانة إلى الجنوب دون أن يصل إلى العلامة 233...واليوم، تقبل تونس أن تضحي، باسم الصداقة والأخوّة، بجزءٍ مهم من أراضيها لصالح الإخوة الجزائريين...ومع ذلك، كنتُ أتمنى لو أن إخواننا الجزائريين أنفسهم تخلّوا عن تلك المساحة الصغيرة التي لا قيمة مادية لها، لكنها عزيزة علينا تاريخياً: فذلك البئر الارتوازي هو الأول في المنطقة، والثاني حُفر سنة 1963.أثناء معركة يوليو 1961، سقط عدد من جنودنا ومواطنينا في ميدان الشرف...لكن، من أجل الصداقة والأخوّة وحسن الجوار، أُعلن تأييدي للاتفاق، وآمل أن يكون الشعب الجزائري على قدر الشعب التونسي في الإخلاص والأخوة...».

في اليوم نفسه، بعث الوزيران الموقّعان على الاتفاق، عبد العزيز بوتفليقة والحبيب بورقيبة الابن، برسالة تهنئة إلى الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي كان آنذاك في مستشفى بباريس للعلاج:«في هذا اليوم التاريخي، وقّعنا معاهدةً واتفاقاتٍ تنهي الخلافات السابقة وتفتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين...».لكن بورقيبة، وقد كان مثقلاً بالحزن والخيبة والاحباط، لم يُجب ولم يُعلّق، ولم يتحدث بعدها مطلقاً عن ما كان يسميه «أراضينا الجنوبية».

ومع ذلك، ظلّ يحتفظ طوال حياته، معلّقاً خلف مكتبه في قصر قرطاج، بخريطة تونس الحقيقية والتاريخية — تلك التي تُظهر الحدود غير المغلقة عند العلامة 233 وتشمل الصحراء التونسية المسلوبة، مساحتها نحو 20 ألف كيلومتر مربع، أي قرابة ضعفي مساحة قطر.وكان يعلّق عليها أحياناً، بابتسامةٍ مريرة وسخريةٍ لاذعة أمام زواره الأجانب، حتى الجزائريين منهم، قائلاً:«كل هذا هو الجزائر... بطنها كبير... مليء بالغاز». وهذه الخريطة التي تحوّلت إلى رمزٍ وذاكرةٍ وطنية، لم يُزلها زين العابدين بن علي بعد توليه الحكم.بل وأكثر من ذلك، خلال أول زيارة خارجية له كرئيس لتونس، وكانت إلى الجزائر (2 و3 مارس 1988)، قال بخليط من المزح والمرارة مخاطبًا الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد:«قضية أراضينا الجنوبية مازالت هنا»،مشيراً بإصبعه إلى عنقه — في إشارةٍ رمزية إلى أن الجرح لا يزال يؤلمه.وقد روى لي هذه الواقعة الصديق الراحل الدالي الجازي، أستاذ القانون العام والسياسي، ووزير الدفاع لاحقاً في عهد بن علي.

للمفارقة، قبل خمسة أيام فقط من توقيع "معاهدة الإخاء وحسن الجوار والتعاون"، أي في 1 يناير 1970، وجّه الحبيب بورقيبة الابن تحيةً إلى الجيش الفرنسي، مشيدًا«بالجهود الجبارة التي بذلتها فرقة الهندسة العسكرية الفرنسية في إعادة بناء خطوط السكك الحديدية بجنوب تونس، التي كانت قد تضررت جراء الفيضانات الأخيرة».(جريدة لوموند، 1 يناير 1970)

 

*من مواليد سنة 1961، مازري الحداد هو فيلسوف ودبلوماسي وسياسي تونسي ذو توجه بورقيبي راديكالي. عارض نظام بن علي لفترة طويلة (1989-2000)، ثم أصبح أحد مستشاريه في الظل (2002-2008)، قبل أن يُعيَّن سفيرًا لتونس لدى منظمة اليونسكو (2009-2011).

يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون، وحاصل على إجازتين في التاريخ المعاصر وعلم الاجتماع، وهو من أوائل وأندر المرشحين المسلمين الذين نالوا تأهيل الجامعة الفرنسية كـ«محاضر في علم اللاهوت الكاثوليكي».

يُعَدّ الدكتور مازري الحداد من أبرز المدافعين عن الحوار بين الأديان، وصديقًا مقرّبًا جدًا من المهدي المنجرة ومحمد أركون. نشر بالفرنسية كتابًا بعنوان «من أجل إسلام السلام» (2001) بالاشتراك مع مالك شبال. ومن أشهر مؤلفاته أيضًا « لن تدمر قرطاج (2002) و«معركتي ضد الإسلاموية وأغبيائها النافعين» (2022).

أما آخر كتبه في الجغرافيا السياسية فقد خُصِّص للصراع الروسي-الأمريكي، تحت عنوان «من صدام الحضارات إلى الحرب بالوكالة» (2023)، وقد كتب مقدمته الوزير الفرنسي للخارجية السابق أوبير فدرين

تنسيق وإعداد المقال للنشر: محمد زيتوني