1/3.. فيدرالية المملكة المغربية

هادي معزوز

لازلت أتذكر خلال حديث سياسي جمعني رفقة أحد الأصدقاء، وتحديدا إبان عام 2009 وقد كنت آنذاك طالبا في الجامعة. عندما سألني قائلا: "أي طريقة في الحكم تراها ناجعة بالمغرب." أجبته دون تردد ـ خاصة وأن الفكرة كانت تراودني قبل ذلك بكثير ـ "النظام الفيدرالي!" ردّ متعجبا متهكما: "النظام الفيدرالي دفعة واحدة. وكيف؟" لم يكن سؤاله يسعى للإجابة، بل لتفسير الفكرة التي بدت له غريبة بعض الشيء. وبما أن الشيء بالشيء يُقال ويُدرَك، فقد قررت أن أشرح له وجهة نظري باقتضاب وإن أبدى منها تبرما وتحفُّظا.

 لكن وبقوة التاريخ والواقع الجيوسياسي والديبلوماسي، فقد أصبحت هذه الفكرة متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، علما أن شروط تحققها تبدو قائمة بشكل جليّ خاصة على المستوى النظري، وقد أخذ على عاتقه مهمة ضبط تحقيقها عمليا والتنبؤ بما يمكن أن يقع بمنطق استباق الفكرة. على العموم يمكن شرح الفكرة وفق ما يلي، وإن كان الخوض فيها يتطلب دراسة رصينة يشرف عليها أهل الاختصاص:

 أولا، على المستوى النظري: تبدو الفكرة قادرة على الإجابة عن أسئلة الآن، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، إلا أن الاشتغال عليها والتمكن من كل جوانبها، يتطلب شيئين، وهما زمن صياغة الفكرة وترتيبها، والأشخاص الذين ستوكل لهم مهمة ذلك. قد يقاس الزمن بالشهور، أما الأشخاص الذين توجب عليهم الوقوف عندها، فلا بد أن تتوفر فيهم الشروط الأكاديمية وليس الحزبية، إذ ينبغي أن يتحد من أجلها رجل التاريخ وفقيه القانون والمفكر وعالِم الاقتصاد ورجل الديبلوماسية وعالم الاجتماع والمتخصص في العلوم السياسية... لهذا، فإذا سرنا نحو ما هو حزبي فقط، قد نجد أنفسنا أمام قراءات متعددة، يكون فيها الجانب الإيديولوجي والحزبي صاحب الكلمة الفيصل، بينما المراد من هذا العمل الشاق والمفيد في نفس الوقت، التوفر على صيغة علمية وليس حزبية، بما أن الأولى تتحمل التريث وبعد النظر والنفس الطويل، بينما الثانية تتميز بالتسرع والمزاجية والوفاء للمرجعية الحزبية ـ هذا إذا بقيت للأحزاب مرجعيات نظرية يستندون عليها ـ

 ثانيا، على المستوى ما بعد النظري: لا بد من الإشارة في هذا السياق، إلى أن ثمة جسرا يجب أن يربط دوما بين النظر والعمل، إذ سيكون بمثابة الحلقة التي تحترم صرامة النظري، وتأخذ بعين الاعتبار ليونة التطبيقي، وهذه المرحلة هي الأكثر حساسية لأنها تقف بعد النظري وقبل التطبيقي. وعليه، فإن الحديث في هذا السياق عن فيدرالية المملكة المغربية يمكن أن نسوغه من خلال المجالات التالية:

المجال السياسي: هناك معضلة تعيشها الحياة السياسية بالمغرب، وهي معضلة يتفق عليها الجميع دون استثناء: أزمة الديمقراطية وغياب تخليق الممارسة السياسية التي يغلب عليها الفساد، والتسابق نحو المصالح الخاصة، بدل التفكير في المهمات التي جاء من أجلها السياسي le politique لنعد مثلا إلى نسبة البرلمانيين ورؤساء الجماعات والمستشارين، سواء الذين يوجدون بالسجن اليوم بتهم غالبا ما تتعلق بالاختلاس والتلاعب في المال العام، أو أولئك الذين لازالوا يترددون إلى اليوم على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، من أجل إكمال التحقيق حول تهم لا تخرج عما ذكرناه آنفا. فهل بواسطتهم يمكن حقا أن نتكلم عن الإقلاع والنهضة؟ لنعد إلى مستوياتهم الدراسية، ولنقم بجرد لممتلكاتهم قبل وبعد المشاركة في تدبير شؤون الشعب، حتى نُكوّن فكرة رئيسة، ترى أن الحياة السياسية لازالت تمر بفراغ مَهُولٍ، مثلما تعرف أزمة كارثية على مستوى الأطر التي كانت تزخر بها الأحزاب ذات زمن بعيد، خاصة الأحزاب الكلاسيكية منها.

 وعليه سيكون من الواجب أولا أن توضع شروط من أجل الالتزام السياسي الذي نفتقده اليوم للأسف، من قبيل التوفر على مستوى دراسي جامعي، والقيام بجرد كل الممتلكات التي تتعلق بالمسؤول بما فيها ممتلكات ذويه. ناهيك عن جعل التمثيلية الشبابية والنسائية تمثيلية عملية وليس مجرد ديكور يتم تزيين الحياة السياسية بواسطته، كي نقول: "انظر أيها المنتظم الدولي إلى ما نحن فيه اليوم من احترام للفئات في التمثيلية السياسية."

 إن من بين المعضلات التي باتت اليوم ديدن الأحزاب في ترشيح من سيمثل الشعب، البحث عن البروفيل القادر على حصد أكبر عدد من الأصوات، إذ أن الشرط الأول الذي توجب التوفر عليه، هو أن يكون صاحب نفوذ أو من الأعيان، والدليل أننا بتنا نلاحظ اليوم وفي أكثر من أي وقت مضى، استقبال الأحزاب لمترشحين لا يعلمون أي شيء عن إيديولوجية الحزب الذي سيترشحون باسمه، مثلما يجهلون تاريخه وخطه السياسي، إنهم لا يعرفون عن ذلك شيئا ولا يريدون أن يعرفوا أيضا. أما الالتزام السياسي لديهم، فلا شك أننا سنقيسه في حضورهم إلى قبة البرلمان للتداول في شؤون الأمة، وأيضا في زياراتهم شبه المنعدمة إلى المناطق التي ترشحوا باسمها، بل إن العديد منهم يقطنون في مكان، ويترشحون في مكان آخر، الأمر الذي يربك الحياة السياسية من ناحية التنظيم، ويزيل عنها هيبتها التي يجب أن تكون جزءا لا يتجزأ من هيبة الدولة وحضورها.

 وإذا تكلمنا عن رجل السياسة الذي يقف عائقا أمام إنجاح المهمة الموكولة إليه، فلا بد من الحديث أيضا عن المواطن الذي يعرف الجميع أن هدية أو تبرعا نقديا أو وعدا بوظيفة كاف لأن يغير وجهة تصويته دون أن يرف له جفن! فأية قيمة لشخص يبيع شرفه قبل صوته بأبخس الأثمان، أليس في ذلك أكبر إساءة يمكن أن نمارسها ضد الوطن؟ بالتالي، فإذا أردنا أن نعيد للحياة السياسية زخمها من أجل فكرة فيدرالية المملكة المغربية، علينا أولا إعادة الاعتبار لكتلة الطبقة المتوسطة أو ما تبقى منها، لأنها هي القادرة على الاختيار وفق منطق المسؤولية والالتزام، وليس وفق الولاء والحسابات المالية المُقيتة.

 عند جمع عناصر المشهد السياسي في إطار واحد، يتبيّن أنّ الفراغ الحاصل فيه يرتبط أساسًا بضمور روح المواطنة. فحين تغيب المواطنة، تتكاثر مظاهر الريع الانتخابي، وتترسّخ شبكات المصالح واللوبيات، وما غيابها سوى تشجيع على الريع الانتخابي والصفقات المشبوهة وتحكم اللوبيات والمافيات القطاعية في تدبير الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والصحي... ربما نرى ذلك في الفضاء العمومي من الكبير إلى الصغير، ومن الغني إلى الفقير. إن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه هؤلاء ـ دون تعميم طبعا ـ هو النهوض بالوطن أولا وأخيرا.

 بقي شيء أخير في هذا المجال توجبت الإشارة إليه، وهو أن التسيير السياسي من الأفضل أن ينبني على منطق الأقطاب، والتي يجب أن تقتصر على ثلاثة منها، وهي قطب اليمين الوسط واليسار، وأن الأغلبية الحكومية لا يجب أن تتأسس على التوليفة المصلحية، بل على الالتقاء الأدنى في التوجهات والأفكار، مع مأسسة الوزارات بدل تقسيمها، أي الاكتفاء بعدد قليل يشتغل بمنطق التخصص، بدل التداخلات التي نلمس تأثيرها السلبي اليوم على الحياة السياسية بصفة عامة.