العنف الاقتصادي داخل العمل: نساء ينتجن في الظل

تيل كيل عربي

نعيمة تشيشي

في المغرب، لا تقاس كل أشكال العنف بالكلمات الجارحة أو الصفعات الصامتة. فهناك عنف لا يرى، لا يبلغ عنه، ولا يناقش كثيرا في الساحات العمومية، لكنه يتسلل إلى تفاصيل العمل اليوميفي العقود المؤقتة، في الأجور غير المنصفة، وفي التبريرات الصامتة التي تقصي النساء من حقوقهن. إنه العنف الاقتصادي داخل العمل، أحد أكثر أشكال العنف هشاشة، واستمرارية، وإفلاتا من الرقابة.انه عنف يتحول فيه جسد المرأة إلى أداة للمساومة في غياب الحماية والعدالة.

من العنف الاقتصادي إلى الابتزاز الجنسي

في العديد من فضاءات العمل، خاصة تلك التي تغيب فيها الرقابة والنقابات، يتحول العنف الاقتصادي إلى مدخل مباشر للعنف الجنسي.
العاملات الهشات، المحرومات من الحقوق الأساسية، يجدن أنفسهن في مواجهة ابتزاز مباشر أو غير مباشرإما الخضوع للتحرش أو "المعاملة الخاصة"، أو خسارة العمل.
شهادات عديدة من وحدات صناعية ومراكز نداء تكشف حجم هذا الخطر. ترصد سلوكيات متكررة تمارس في الخفاء، وتفرض على نساء ضعيفات، لا سند لهن سوى الصمت أو الرحيل.

من بين هذه الشهادات، ما روته سيدة كانت تعمل في معمل للخياطة:

"كنت أعمل في معمل للخياطة، وأبذل كل جهدي لتأمين دخل يساعدني على تحمل أعباء الحياة إلى جانب زوجي. كان المسؤول عني في العمل يعلم أنني متزوجة ولي ابناء، ومع ذلك لم يتردد في التحرش بي بشكل مباشر. قال لي بوضوح: كوني معي، وسأضاعف لك الراتب

شعرت بالإهانة والخوف في آنٍ واحد. لم أستطع إخبار زوجي بما حدث، خشية أن يتصرف بانفعال أو يتعرض للمشاكل. لم أجد أمامي سوى خيار الاستقالة، رغم حاجتي الماسة للعمل.

كان ذلك ابتزازا واضحا. لم يكن يهمه كفاءتي أو التزامي، بل فقط استغل وضعي كامرأة محتاجة للعمل.اضطررت للتخلي عن مصدر رزقي، لأنني رفضت أن أكون ضحية

حين تربط الترقية، ساعات العمل، العقود، أو حتىالاحترام المهني، برضا جنسي أو بالتغاضي عن تحرش مفضوح، لا يعود الأمر مجرد مضايقات لفظية أو سلوكية، بل يتحول إلى عنف اقتصادي صريح.
في هذه الحالة، يستخدم جسد المرأة كوسيلة للحفاظ على الحد الأدنى من الأمان المالي، وتصبح الليونة في التعامل شرطا غير مكتوب للاستمرار في الوظيفة.

هنا، لا يمكن الفصل بين العنف الاقتصادي والجنسـي. فبيئة العمل التي تفتقر للحماية القانونية والرقابة الأخلاقية فتنتج منظومة متكاملة من الاستغلال، حيث تمارس السلطة الذكورية عبر المال، الجسد، والعقوبة غير المعلنة.

قانون حاضر بعدالة غائبة

رغم أن القانون الجنائي المغربي، في المادة 503-1، يُجرم التحرش الجنسي داخل فضاء الشغل، ورغم تنصيص مدونة الشغل على ضرورة احترام كرامة الأجير(ة)، إلا أن التنفيذ يبقى محدودا، لأسباب متعددة:

-ندرة التبليغ، بسبب الخوف من فقدان العمل، أو من الانتقام،

-صعوبة الإثبات، خاصة في غياب شهود أو أدلة مباشرة،

-ضعف المؤسسات الوسيطة (نقابات، مفتشيات الشغل، لجان المراقبة...)،

-طبيعة العلاقات المهنية غير المتوازنة، حيث يكون المشغل هو القاضي والحكم.

والنتيجة  هياستمرار دوامة الصمت، التي تدفع فيها النساء ثمنا باهظا مقابل الحفاظ على لقمة العيش