ان التمكين الاقتصادي للنساء لا يعني فقط منحهن فرص عمل، بل يرمز إلى تحول بنيوي في علاقتهن بالمال والقرار. فحين تمتلك المرأة دخلا مستقرا، وحين تدرك قيمة عملها وتتحكم في مواردها، فإنها تتحرر من دائرة التبعية، وتصبح شريكا حقيقيا في صنع القرار الأسري والاجتماعي.
وقد أثبتت دراسات البنك الدولي وهيئات الأمم المتحدة أن كل زيادة بنسبة 10% في دخل النساء تنعكس إيجابا على صحة الأسرة وتعليم الأبناء، وتخفض من معدلات العنف المنزلي. فالاستقلال المالي يولد الثقة، والثقة تخلق القدرة على الرفض والمطالبة بالحقوق.
ولا يمكن الحديث عن تمكين اقتصادي دون إصلاح تشريعي عميق يضمن للنساء العدالة في الأجور، والميراث، والفرص. .
على سبيل المثال، تشير بيانات صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط انمشاركة النساء في سوق العمل منخفضة بشكل لافت ومعدل وجود المرأة في العمل ضمن الفئة العمرية 15 وما فوق يبلغ حوالي 15.3%، بينما يقدر أن نحو 80%أو أكثر من النساء في العديد من المناطق خارج سوق العمل
اما من ناحية الأجور في القطاع الخاص ، تكشف الأرقام أن النساء يكسبن 42.8% أقل من الرجالويعزى نحو 91%من هذه الفجوة إلى التمييز المباشر، وليس فقط الفوارق في مستوى التعليم أو الخبرة.
التعليم والتدريب هما مفتاح الاستقلال
ان التمكين يبدأ من التعليم فكل فتاة تحرم من مقعد دراسي تقصى عمليا من فرصة حياة مستقلة.
في المغرب هناك نسبة ضئيلة من النساءيشاركن في سوق العمل، مما يعكس أن المشكلة تبدأ من فرص التعليم والتدريب وفرص الاندماج المهني فبرامج التدريب المهني وريادة الأعمال، وتقوية المهارات التقنية، من بين الحلول التي تفتح آفاقا للنساء في القطاعات غير التقليديةالتكنولوجيا، الزراعة الحديثة، الصناعات الإبداعية، والخدمات الرقمية.
وليس الهدف فقط خلق فرص عمل، بل تحويل النساء إلىفاعلات اقتصاديا، لا مجرد مستفيدات.
فبرنامج تمكين المرأة ومبادرات ريادة الأعمال استهدف حتى الآن حوالي 36 000 امرأة بتمويل يقارب 386 مليون درهم، من بينها نحو 13 000 امرأة في إطار المشاريع، و36% منهن نساء من المناطق الريفية.
ولذلك، من الضروري تسهيل الوصول إلى التمويل الصغير والمتوسط، وإزالة العراقيل البيروقراطية أمام النساء اللواتي يرغبن في إنشاء مشاريعهن الخاصة، بالإضافة إلى دعم المنصات الرقمية التي تتيح للنساء التدريب والتسويق والبيع الإلكتروني، خصوصا في المناطق الريفية والمهمشة.
المجتمع أيضا مسؤول
العنف الاقتصادي ليس مجرد سلوك فردي، بل نتاج ثقافة ترى في استقلال المرأة تهديدا.
في تقرير لمؤشر الإندماج الاقتصادي للمرأة في إفريقيا، سجلت المغرب فقط 27.7 نقطةفي مؤشر المشاركة الاقتصادية للمرأة، مما يناسب الصورة بأن التمكين لا يزال بعيداولذلك، لا بد من مواجهة هذا عبر إعلام واعٍ، وبرامج توعوية تبرز النماذج النسائية الناجحة، وتشرك الرجال في الحوار حول العدالة الجندرية. فتمكين النساء لا يعني إضعاف الرجال، بل بناء شراكة متوازنة تعلي من قيمة العدالة والمواطنة المتساوية..
وفي النهاية، يبقى جوهر الحل في أن نؤمن بأن العدالة لا تتجزأ، وأن المساواة في الفرص ليست مطلبا نسويا، بل حقا إنسانيا أصيلا.